يسود العالم اليوم جو من التشاؤم والتساؤلات حول مستقبل البشرية. وتجد مثل هذه الحالة أصداءها في مختلف وسائل الإعلام وفي الكتب المختصّة باستشراف مصير العالم الذي نعيش فيه في أفق العقود القريبة المقبلة وما يمكن أن تخبئ من كوارث بيئية وغيرها. وفي مثل هذه الأجواء يكرّس أستاذ علم الاجتماع في باريس «فيليب غابييه» كتابا «في مديح التفاؤل» كما يقول عنوانه الرئيسي، مع عنوان فرعي مفاده: «عندما يحرّك المتحمسون العالم».
إن المؤلف يقدم في كتابه مرافعة حقيقية للتأكيد على أهمية التفاؤل في حياة البشر الخاصة وفي حياة الشعوب على الصعيد العالم. وهو يدعو قارئه إلى ما يسميه «اكتشاف» القدرة الرائعة التي يمكن للتفاؤل أن يعبئها في أعماق الفرد الإنساني. وهو يعتمد في تحليلاته على آراء العديد من الباحثين والأطباء الذين أكدوا منذ القديم وحتى اليوم على الأثر الكبير للتفاؤل على الطاقة الحيوية للبشر وعلى تذوقهم للحياة وعلاقاتهم مع الآخرين، ولكن أيضا على الصحة، بل وعلى «طول العمر».
كذلك يحاول المؤلف الكشف عن «آليات عمل» التفاؤل من أجل محاولة إدراج هذه الآليات بطريقة فعالة ومستدامة في الحياة الشخصية والمهنية. هذا كله في منظور تحسين القدرات على زرع أجواء من التفاؤل في الوسط المحيط وبالتالي خلق فرص جديدة. وفي محصلة هذا كله لا يتردد المؤلف في اعتبار أن التفاؤل يمثل «فن التفكير» و«فن تحسين المشاعر» و«فن التواصل» و«فن اتخاذ القرارات»... وباختصار إنه في طريقه كي يصبح «فن العيش في القرن الحادي والعشرين».ويشير المؤلف إلى أن كلمة «التفاؤل» هي «اختراع فرنسي» يعود إلى بدايات القرن الثامن عشر. أي إلى الفترة الجنينية لعصر التنوير الفرنسي الأوروبي. ويجد التعبير الأفضل لمثل هذا المفهوم «المقبل على الحياة» جسدته مقولة الفيلسوف الشهير لايبنز والتي يمكن اختصارها بجملة مفادها: «لم يكن بالإمكان أحسن مما كان».
وإذا كانت كلمة «تفاؤل» هي من «اختراع فرنسي» كما يشير المؤلف، فإنه يؤكد بالوقت نفسه على أن الفرنسيين هم في المرحلة الراهنة، ونحن في بدايات القرن الحادي والعشرين، هم من بين أكثر الشعوب «تشاؤما». هذا ما أشار إليه استطلاع رأي أجرته مؤسسة مختصة في 52 بلدا في العالم. من هنا بالتحديد يؤكد فيليب غابييه على أن تبديل مثل هذا التوجه والمضي في طريق «مديح التفاؤل» يمكن أن يكون دفة إنقاذ حقيقية. ذلك أن تبنّي التفاؤل يمثل «فعلا إراديا مختارا». وينقل المؤلف عن الفيلسوف الفرنسي الشهير آلان قوله: «التشاؤم ثمرة المزاج، أمام التفاؤل فمصدره الإرادة».
ويرى المؤلف أنه أمام الواقع القائم الذي يواجهه مئات الملايين من البشر في شتى أنحاء العالم ولأسباب كثيرة ومتنوعة تسود حالة من التشاؤم «المفهوم»، بمعنى أن له ما يبرره في الواقع المعني. لكن هنا بالتحديد يغدو التفاؤل نوعا من «الرهان الإيجابي» الذي يحتاج البشر إلى تقديم الكثير من الجهد، وخاصة تقديم الكثير من «رغبة التعلّم» من أجل إمكانية اتخاذه. ويتم التأكيد في هذا السياق أن التفاؤل «يعني دائما خيار الفعل والالتزام» كما يكتب المؤلف، ثم يضيف إنه «الناظم لتقلبات المزاج» التي تعاني منها النفس الإنسانية.
ومن السمات التي يؤكد عليها المؤلف من أجل ولوج سبيل «التفاؤل هناك سمة «المثابرة» ذلك أن «الإنسان لا يولد متفائلا، لكنه يصبح متفائلا»، ويضيف أنه على خلفية مثل هذه المثابرة يمكن للمتفائل أن يمتلك أداة أساسية من أجل مقاربة المشاكل في أكثر الأوضاع صعوبة. وهو بهذا المعنى «عامل مقاومة و«نجاح» على مختلف الأصعدة الفردية والجماعية. تتم الإشارة هنا إلى أن إدراك مثل هذه الحقائق دفع العديد من الجامعات الأميركية الكبرى مثل هارفارد وبتسبورغ إلى القيام بعدة دراسات ميدانية للبرهان على ذلك.وعلى صعيد العمل والمؤسسات يؤكد المؤلف أن هناك تباينا كبيرا في مجال مقاربة الأمور بين مسؤول «متفائل» وآخر «متشائم». ويرى أن «المسؤول المتفائل يعطي الأولوية بالأحرى للحلول الجزئية الفعالة» أما «المسؤول المتشائم فإنه يبقى على مستوى تحليل أسباب الفشل وأسباب الخسارة»، هذا دون الانتقال إلى المرحلة المطلوبة المتمثلة في «الشروع بالفعل». الخلفية التي يؤسس عليها المتفائل موقفه هي «التوجه نحو المستقبل» أما بالنسبة للمتشائم فالخلفية هي البحث عن المسببات في الماضي.لكن المؤلف يؤكد في جميع تحليلاته على ضرورة التمييز القاطع والمانع بين «التفاؤل» و«السذاجة». مع التأكيد بالمقابل على وجود رابطة عضوية بين «التفاؤل» و«القدرة الخلاّقة». ويتم التأكيد في هذا السياق على ضرورة احتفاظ المتفائل بقدر مطلوب من «الحذر» وبـ«جرعة» مدروسة من «التشاؤم». فالتفاؤل «قد يكون كل شيء سوى السذاجة». وعبر هذا يمكن للمتفائل أن يؤمّن دائما بإمكانية الوصول إلى «حل إيجابي» بناء على المعطيات المتوفرة في واقعه أو واقع مؤسسته.
كما يؤكد المؤلف أن قادة العالم اليوم وفي فترة الأزمة الكبرى الراهنة والضاغطة مطالبون بأن يتمتعوا بقدر كبير من القدرات الخلافية، الأمر الذي قد يساعدهم عليهم تحلّيهم بالتفاؤل ومحاولة «زرع» مثل هذا التفاؤل لدى العاملين معهم للبحث عن السبل الناجعة.
بكل الحالات ينبغي على المتفائل أن لا يجعل من رغباته الشخصية حقائق قائمة. ويحذّر المؤلف من أشكال السلوك الخرقاء باسم التفاؤل الذي يغذّي ويتغذّى من العقل وليس من التهويمات والخرافات.
الكتاب: في مديح التفاؤل
تأليف: فيليب غابييه
الناشر: سان سيمون باريس 2011
الصفحات: 148 صفحة
القطع: الصغير
Eloge de l'optimisme
Philippe Gabilliet
Saint Simon - Paris 2011
148p.
