الأبطال الخارقون في السينما

إنهم النسخة التكنولوجية المعاصرة لأسلافهم طرزان وزورو في عشرينيات القرن الماضي كانت أجيال الشبيبة، في خمسينيات القرن الماضي، قد عرفت أبطالاً سينمائيين ألهبوا مخيلتها، وليس أقلهم شهرة "طرزان"، صاحب الصرخة المدويّة في الغابات، الذي صارع الأسود وصرعها. وتنقل في الغابة، من حبل إلى آخر.

أما شبيبة اليوم، فهم مأخوذون بقسم كبير منهم، بـ"أبطال عصرهم"، مثل: سوبرمان وسبيدرمان وباتمان. وهؤلاء جميعاً، ممن اشتهروا في عالم الرسوم المتحركة، ضاعفوا شهرتهم عبر الشاشة السينمائية. وهم موضوع كتاب الصحافي في جريدة "لوفيغارو" الفرنسية، اوليفييه ديلكروا، بعنوان: "الأبطال الخارقون في السينما".

يرى المؤلف في كتابه، أن هؤلاء الأبطال ينبثقون فجأة من نقطة ما في الأفق أو من الفضاء، أو من حيث لا يحتسب أحد. ويتمتعون جميعهم بـزي خاص بهم، أصبح جزءاً من هويتهم. ثم إنهم يشتركون في القيام بمهمة تجمعهم، إلى هذا الحد أو ذلك، وهي أنهم يحاربون الأشرار، ويؤمنون حماية العالم الذي نعيش فيه، من تخريب الأوغاد.

هذا فضلاً عن أنهم يقتصون من أولئك الذين ارتكبوا جرائم ضد آخرين أبرياء. ومن السمات المشتركة بين هؤلاء "الأبطال الخارقين"، امتلاكهم لـقدرات تفوق المألوف والمعروف، كما أنهم يتقنون استخدام التكنولوجيات المتقدمة.

ويشير اوليفييه ديلكروا، إلى أن هؤلاء الأبطال الخارقين، كانوا أمثلة عليا بالنسبة له، في سنوات طفولته.. ثم مراهقته الأولى. وبقي مأخوذاً بهم ويعرفهم ويبحث عن أخبارهم حيث ما يمكن العثور عليها. وبهذا المعنى كان سوبرمان: الرجل الطائر، وسبايدرمان وباتمان، وأولئك الذين ينتمون إلى عالمهم، بمثابة أصدقاء شخصيين له. وهو، في الوقت الحالي، يريد تكريمهم، عبر تكريس كتابه لهم.

وهكذا يروي تاريخهم والمسار الذي سلكوه، منذ اختراعهم. وكذا أشكال ظهورهم الأولى، وحتى نيلهم شهرة كبيرة، عبر السينما بالتحديد. ويذهب المؤلف إلى ما هو أبعد في بحثه عن جذورهم، وذلك وصولاً إلى التخمين بأنهم أسلافهم نفسهم، مثل: طرزان: ملك الغابة. هذا بالإضافة إلى البحث عن موقعهم في المجتمعات المعاصرة، وعلى رأسها المجتمع الأميركي، ثم المجتمعات الاستهلاكية الأخرى.

إن اهتمام المؤلف بالمجتمع الأميركي، يعيده بالدرجة الأولى، إلى أنهم (الأبطال الخارقون)، من مواليد ذلك المجتمع. وأميركا هي أرض هؤلاء الملثّمين الذين يبحثون عن لعب دور من يقوم بالقصاص، والذين تحوّلوا في الواقع إلى صور أسطورية لأميركا المعاصرة. هذا خاصة أن هوليود لم تكن بعيدة عن زيادة كبيرة في قيمة هؤلاء الأبطال الذين لم يكن أحد يأخذهم على محمل الجد، بل كانت الأغلبية الساحقة من البشر، تكن لهم الازدراء. لكنهم اكتسبوا مكانة مرموقة ولم يعودوا مجرد تعبيرات عادية عن الموضة.

ومن المسائل التي يؤكد عليها ديلكروا، أن الأبطال الخارقين في السينما، تجاوزوا كثيراً، أسلافهم، مثل: طرزان وزورو. فالأبطال المعاصرون وجدوا مخرجين سينمائيين كباراً يهتمون بهم، مثل: تيم بورتون وكريستوفر نولان وميشيل كوندري. والأفلام التي قدّمها أولئك المخرجون، تتجاوز كثيراً، نموذج "الصور الساذجة" أو الطفولية الشائعة في الثقافة الشعبية الأميركية.

كما يلفت المؤلف مباشرة، الى أن هؤلاء الأبطال يشكلون مكوّناً أساسياً من الحالة النفسية للولايات المتحدة الأميركية، ومن قيمها ومعتقداتها وشكوكها ونزعتها الوطنية التي اهتزّت كثيراً بفعل تفجيرات 11 سبتمبر 2001. ثم إن أفلام الأبطال الخارقين، غدت تشكّل نوعاً سينمائياً قائماً بذاته. بل هو نوع يجذب أعداداً كبيرة من المشاهدين، من كل الأعمار..

ويكتب ديلكروا: "كان يسود الاعتقاد، منذ أكثر من 70 سنة، أن هؤلاء الأبطال كانوا مجرّد لحظة عابرة. بل حتى في عام 1978، عندما ظهر سوبرمان، في فيلم من إخراج كريستوفر ريف، كان يسود الاعتقاد أنه لن يستطيع فرض نفسه.. لكن الواقع السينمائي يقول شيئاً آخر، وهو أن سوبرمان ليس مجرّد ظاهرة من ظواهر الموضة.

ونجد أن هذا الكتاب، الأول من نوعه، لا يتوقف عند مجرّد ظاهرة سوبرمان وسبيدرمان، وغيرهما من "الأبطال الخارقين"، ولا يعنى بحيثيات تقتصر على تفاصيل من قبيل ثيابهم الملوّنة، ولكنه يذهب إلى عمق الظاهرة ودلالتها الاجتماعية والسياسية.

وينقل جملة نطق بها سبيدرمان في الفيلم الذي أخرجه سام رايمي، للدلالة على ذلك. وجاء فيها ما مفاده: "إن سلطة كبرى تستدعي بالضرورة مسؤوليات كبرى". وفي الصفحات الأخيرة، يستعرض المؤلف صورة الأشرار الذين حاربهم الأبطال الخارقون، مثل :"جوكر" المرعب، "ليكس لوتور" مجنون العظمة. إضافة إلى كثيرين، كانوا بدورهم عباقرة في الشر، إلا أن تصدي الأبطال الخارقين لهم، أعطى لهؤلاء قيمة استثنائية.

 

 

الكتاب: الأبطال الخارقون في السينما

تأليف: اوليفييه ديلكروا

الناشر: هوبيك- باريس- 2012

الصفحات: 192 صفحة

القطع: المتوسط

 

Les super-héros au cinéma

Olivier Delcroix

Hoebeke - Paris- 2012

192 .p

طباعة Email
تعليقات

تعليقات