سعادة البلجيكيين

صورة

بعد أن كتب باتريك روجيه في المسرح، وعن فن التصوير.. وعن عموم موضوعات بلجيكا، بلاده، خلال السنوات الأخيرة، ها هو يضيف عملاً جديداً عنها في كتابه الأخير: "سعادة البلجيكيين". وعبر سيرة حياة الشخصية الرئيسية في الكتاب، الفتى ابن الحادية عشرة من العمر، الذي لا يحمل اسماً وليس لأسرته اسم. هذا الفتى يخرج مغامراً إلى حيث لا يدري من البيت، الذي كان يأويه وبسبب تهديده بالقتل. وفي مغامرته، يلتقي بالشاعر الفرنسي الشهير فكتور هوغو في بلدة واترلو القريبة من بروكسل، والتي شهدت انتصار الجيش البريطاني على جيش نابليون بونابرت.

ومنذ البداية، يحدد المؤلف القول إن هذا العمل ليس رواية أو وثيقة. وليس دراسة.. إنه هذه كلها، ولكنه قبل كل شيء إعلان حب لبلاد مؤلفه، وفي الوقت نفسه تصريح بالهلع والخشية، من إمكانية زوالها. والتأكيد على أن زوالها سيكون بمثابة نهايته. ولكن هذا لا يمنعه من القول إن هذه الإمكانية قائمة بقوة. والإشارة بأشكال مختلفة، إلى أن بلجيكا تواجه أزمة وجودية كبرى.

ومن خلال مغامرة الفتى "التائه".. وما يصادفه من أحداث، يرسم المؤلف صورة لبلجيكا التي تعيش وضعاً سياسياً متردياً، بحيث انها لم تعد تؤمن بنفسها. ويعيد هذا التردي إلى عقد من الزمن. كما يشير بأشكال مختلفة أيضاً، إلى إرادة المقاومة لدى المؤلف، ضد هذا الوضع. واختار لذلك صيغة العمل الروائي، من دون أن يخفي مقصده الصريح بالحديث عن تاريخ بلجيكا، لكن من غير أن يلبس جلد المؤرخ.

تبلغ الشخصية الرئيسية في العمل "البطل"، الحادية عشرة من العمر. ومن مواليد عام 1958، أي بعمر المؤلف، كما يشير. لكن باستثناء هذه المقارنة، نجد المؤلف يخرع "واقع عكس الموجود". وذلك أن بلجيكا كما يرسمها، بلاد ليس فيها عاطل عن العمل.. تنعم دائماً بأشعة الشمس، وفيها البشر تغمرهم السعادة الكاملة. من هنا بالتحديد جاء عنوان الكتاب: "سعادة البلجيكيين". والصورة التي يرسمها المؤلف للبلجيكيين، هي أنهم مؤدبون ومستقيمون في العمل، ويرقبون خراب بلادهم دون أن يفعلوا شيئاً.

ويلفت المؤلف إلى ان بلجيكا السعيد" لم تعد قائمة.. إذ تسير اليوم نحو أفق ملبّد بالغيوم كنتيجة مسار طويل. ولا يتردد في أن يعيد ثروة بلجيكا الكبرى، إلى أنها توحّد بين الأضداد. ومن عملية التوحّد هذه ولدت العبقرية البلجيكية. ويشدد هنا، على أنه إذا كان الفنانون هم الذين صنعوا بلجيكا، فإن رجال السياسة، هم الذين يهدمونها.

ويرى المؤلف أن البلجيكيين من الفلامانك، الساكنين في الشمال. وكذلك الوالون، الذين يتحدثون اللغة الفلامنكية القريبة من الهولندية، والوالون القاطنين في الجنوب ويتحدثون اللغة الفرنسية، هؤلاء دفعوا، كل من موقعه، ثمن الابتعاد عن الآخر والتقوقع حول الذات. وهكذا لقي بعض البلجيكيين الفلامانك حتفهم أثناء الحرب العالمية الأولى، لأنهم لم يفهموا الأوامر الصادرة عن الضباط البلجيكيين، الذين يتحدثون اللغة الفرنسية.

ويؤكد المؤلف أنه تعمّقت الهوّة بين المكونين الرئيسيين للشعب البلجيكي، عندما جرى خلق الحدود اللغوية. فحينها بدأت مسيرة الانفصال داخل الجسد البلجيكي، وغدت البلاد منقسمة على نفسها. وأصبحت حالة الانقسام تلك واقعاً يتسم بالاستمرار والعمق. ذلك ما ساهم فيه بنشاط أولئك المتعصبين والمتزمتين من الطرفين.

لا يتردد مؤلف الكتاب في الإشارة إلى أن شخصية الملك البلجيكي: البير الثاني، تشكل إحدى الدعائم الأساسية لاستمرار الوحدة البلجيكية. إذ استطاع هذا الملك، الذي تولّى العرش، أن يلعب دوراً جوهرياً في جمع البلجيكيين بمختلف مشاربهم حوله، كرمز للوحدة الوطنية.. ولكن، في ما بعد البير ثاني، هو الواقع الذي يطرح إشكالية حقيقية"، حسب قول المؤلف.

ويوضح المؤلف أن بلجيكا، ربما تواجه في الأفق القادم، امتحان المحافظة على وحدتها. ومن ثم تعرف بالتالي، كيف تستمر في الوجود، كما عرفت ذلك منذ تأسيسها رغم ما واجهته من عواصف شديدة. وهذا كله، نتيجة للجدار اللغوي، القائم بين الطرفين، حيث يقسمون كل شيء إلى اثنين .. إنها حقبة غريبة. والسعادة حالة عابرة. لكن البلجيكيين الفلامانك، مثل الوالون، إذ لا يميلون بطبيعتهم إلى الحرب.. لكن الفرق الكبير بين هؤلاء وأولئك، أن الفلامنك لديهم مشروع سياسي. وأنهم ربما يميلون إلى الانفصال والاستقلال، ولديهم أيضاً شخصيات قيادية مهمة. أما الوالون، فليس لديهم، لا المشروع السياسي ولا القيادات المهمة.

 الكتاب: سعادة البلجيكيين

تأليف: باتريك روجيه

الناشر: غراسيه - باريس- 2012

الصفحات: 458 صفحة

القطع: المتوسط

Le bonheur des Belges

Patrick Roegiers

Grasset - Paris- 2012

458 .p

طباعة Email
تعليقات

تعليقات