لا تطلق النار

اشتهر الأستاذ الجامعي، المتخصص في مجال الوقاية من الجريمة، دافيد كينيدي، أنه كان من الشخصيات التي مارست تأثيراً حقيقياً، داخل إدارتي الرئيسين الأميركيين السابقين: بيل كلينتون وجورج وولكر بوش، وتحديداً في مقاربتهما لمكافحة المخدرات. وكان قد قدّم آراءه للعديد من المنظمات والمؤسسات الدولية، في هذا الشان، مثل: الكونغرس الأميركي، الشرطة الدولية "سكوتلانديار".

ويكرّس دافيد كينيدي، كتابه الأخير: "لا تطلق النار"، لعرض البرنامج الذي اقترحه لمعالجة مسألة محددة في بوسطن في الولايات المتحدة الأميركية، خلال سنوات التسعينيات من القرن الماضي. وهي مسألة الوقاية من العنف، وصولاً إلى القتل الذي كانت تمارسه العصابات الإجرامية في الأحياء الفقيرة، ذات الأغلبية السوداء، والبرنامج المقترح، أثبت درجة نجاح عالية، وهو قابل للتعميم في حالات كثيرة مشابهة، كما يشير مؤلفه.

ويتضمن البرنامج المعني نقاطاً أساسية عديدة، تتمثل الأولى في وضع أفراد العصابات المعروفين، تحت طائلة السجن، أو إخضاعهم لإجراءات الحريّة المشروطة، بحيث تتمكن السلطات المتخصصّة من مراقبة تحرّكاتهم بدقّة، مع منح إمكانية الاستماع من قبل أولئك، من بين المعنيين الذين يعبرون عن رغبتهم في التوقف عن ممارسة العنف.

وتكمن النقطة الثانية في تمكين العاملين في حقل المساعدة الاجتماعية، من تشجيع المعنيين من رجال العصابات، من القدرة على الابتعاد عن دورة العنف، بحيث تضمن أجهزة الشرطة أن كل عصابة تستمر في ممارسة العنف، ابتداءً من الأكثر عنفاً، ستستهدف وتخرج من الشوارع. ومن المهام التي يؤكد المؤلف على ضرورة أن تقوم بها الشرطة، الالتزام بضمان سلامة أولئك الذين يتعاونون مع جهود الحد من العنف، ممن يخافون على أمنهم وسلامتهم.

ويقود المؤلف القارئ في هذا الكتاب، إلى عالم الجريمة في أحياء المدن الأميركية الكبرى، انطلاقاً من حالة عيانية، تخصّ مدينة بوسطن التي كانت قد عرفت منذ سنوات التسعينيات المنصرمة، أرقاماً قياسية في عمليات القتل التي يتعرّض لها الشباب، إلى جانب حالة من فقدان الثقة بشكل شبه كامل، بين السكان وأجهزة الشرطة المسؤولة عن الأمن فيها. ويشير المؤلف إلى أن الفريق الذي أرسله إلى عين المكان توصّل إلى نتيجة مؤكّدة، مفادها أن نواة صلبة، مؤلفة من عدد قليل جداً من عتاة المجرمين، هي مارست، على مدى سنوات، أكبر درجة من العنف، وكانت وراء أكبر عدد من جرائم القتل.

ويخلص المؤلف إلى نتائج متنوعة، عرضت على رؤساء أجهزة الشرطة، وعلى بعض أعيان المدينة، خاصّة من السود، على اعتبار أن أغلبية رجال العصابات هم من هؤلاء. وترافق ذلك مع تبنّي نهج التعامل بالقسوة، في التعامل مع الأكثر شراسة بين المجرمين ومصادرة المخدرات التي كانوا يتاجرون بها، والقيام بعمليات دهم ليلية، إلى جانب محاولة التقرّب من أولئك الذين يبدون منهم، استعداداً للتعاون في تقليل العنف، بل ومساعدتهم في الحصول على مسكن وفرصة عمل. إن هذا التوجّه المزدوج يسميه المؤلف، بسياسة "العصا والجزرة".

ويشير المؤلف إلى أن مثل تلك المقاربة، عانت من من الصعوبات الكثيرة، لأسباب عديدة، فمثلاً كانت أجهزة الشرطة ملزمة بأن أن تعترف علانية، بفشلها في التصدّي للعنف وللعصابات. وبدا لكثيرين أن الشرطة البيضاء تراجعت أمام أعيان السود، بينما كان على هؤلاء وتلك، إقامة صلات مع مجرمين باسم البحث عن الأمن العام للجميع. لكن مهما كانت التحفظات أدرك الكل أن النتائج على الأرض باهرة. ذلك إلى حد أن عمليات قتل الشباب انخفضت إلى الصفر خلال سنوات، وتراجعت نسبة الجرائم الأخرى، إلى النصف.

لكن المؤلف يعترف صراحة أن مسألة تجارة المخدرات استعصت على مقترحاته، ليس في بوسطن وحدها، ولكن في العديد من المدن الأميركية الأخرى، وهو يجد رابطة عضوية بين تجارة المخدرات والعنف المسلّح.

وهناك مشكلة دقيقة يرى المؤلف أنها تطرح نفسها وتتعلّق بالسياسة الجنائية الأميركية نفسها، إذ من الصعب تحديد إلى أي مدى يمكن للمواطنين أن يقوموا بدور مواجهة العنف بأنفسهم، ما يتحوّل، ربما، وبعد فترة، إلى نوع من الدفاع الذاتي عن النفس، مع ما يترتب على ذلك من تداخل مع عمل أجهزة الشرطة.

ولا يكون التداخل فقط مع عمل هذه الأجهزة، ولكن أيضاً مع مسألة تطبيق القوانين الصادرة عن الدولة نفسها. وما هو واضح بالنسبة لدافيد كينيدي، تأكيده على الدور المركزي الذي تلعبه أجهزة الشرطة بالتعاون مع بعض المجموعات والشخصيات ذات النفوذ المحلّي. وهذا ما يشرحه في الكتاب، من خلال تجربة تطبيق برنامجه في مدينة بوسطن الأميركية.

 

الكتاب: لا تطلق النار

تأليف: دافيد كينيدي

الناشر: بلومبسبوري- لندن 2012

الصفحات: 321 صفحة

القطع : المتوسط

 

Donصt shoot

David Kennedy

Bloomsbury - London - 2012

321 .p

طباعة Email
تعليقات

تعليقات