القفزة الكبرى إلى الوراء

«القفزة الكبرى إلى الوراء». عنوان الكتاب الصادر عام 2004 لمؤلفه، مدير تحرير مجلة "لوموند ديبلوماتيك"، سيرج حليمي. وهو يعود اليوم إلى إصداره من جديد، بعد حوالي ثماني سنوات، بالعنوان ذاته، ولكن بعد إعادة النظر فيه، على ضوء المستجدات التي شهدتها السنوات المنصرمة، منذ صدوره للمرة الأولى. كما أضاف إليه عشرات الصفحات.

ويذكّر المؤلف بداية، بحملة النقد العنيف الذي مارسه بعض الصحافيين البارزين عند صدور الطبعة الأولى، بشأن الكتاب. ومن ثم يخلص الى حقيقة اعتقاده، حالياً، أنه في مأمن من النقد العنيف، ذلك أن سنوات ما بعد الصدور الأول، شهدت الأزمة الكبرى التي انطلقت في خريف عام 2008 من الولايات المتحدة الأميركية.

وما يؤكده حليمي ويصرّ عليه، هو أن التحولات الاقتصادية الكبرى التي شهدها العالم الغربي، لم تكن نتاج صدفة ولم تتولّد من ضرورة، وذلك منذ وصول رونالد ريغان إلى الرئاسة الأميركية، في مطلع سنوات الثمانينيات من القرن الماضي، ووصولاً إلى فرانسوا ميتران، الاشتراكي، الذي أصبح رئيساً لفرنسا عام 1981، وهيمنة الليبرالية الجديدة على النظام الاقتصادي العالمي، تحت مظلة اقتصاد السوق والمنافسة.

ويبين حليمي أنه إذا كان أصحاب القرار ووسائل الإعلام المختلفة، في جميع أنحاء العالم، لا يزالون يصرّون حتى الآن، على تقديم تفسيرات متشابهة إلى حد كبير، للأوضاع التي أنتجتها الأزمة، فإن هذا التماثل في الرؤية، يعود إلى واقع التحضير الإيديولوجي الذي كان قد جرى في مرحلة سابقة. ويحدد المؤلف أيضاً القول، انه لم تعد هناك حلول بديلة للسوق، بل إن جميع الحلول الممكنة دمرت، بحيث لن يكون هناك أي بديل ممكن. وفي النتيجة، غابت عن الساحة أية قراءات أخرى للأحداث.

في الوقت الذي كانت تلك القرارات المختلفة، تفيد بأن تعطي حلولاً أخرى. وربما كانت عبأت قوى اجتماعية أخرى وخيارات مغايرة. ويشرح المؤلف أن النهج الليبرالي الجديد الذي لم ير إمكانية أي بديل آخر للأسواق، أدى في المحصلة إلى قفزة كبرى إلى الوراء، كما جاء في عنوان الكتاب. ويوجه المؤلف في هذا السياق، الكثير من النقد الى اقتصاديين بارزين:

فريديريك هايك وميلتون فريدمان. ذلك من أجل مساهمتهما في إرساء منظومة اقتصادية، تقوم على مبادئ ليبرالية، شجّعت رجال السياسة على اتباع سياسات حازمة في الانتقال من الاقتصاد المختلط، الذي يقبل إلى هذه الدرجة أو تلك، إعادة توزيع الدخل إلى اقتصاد رأسمالي جديد يتولى المال توجيهه.

وهنا فإن الخلل الأكبر الذي ينتج، هو أن مهندسي النظام المالي، سحبوا منه فوائد هائلة، بينما أن الغالبية العظمى من الآخرين، يعرفون قفزة كبرى إلى الوراء. ويلاحظ سيرج المؤلف أن أصحاب القرار في الاقتصاد، هجروا بصورة شبه كاملة تقريباً، تاريخ الاشتراكية وتاريخ الكنزية، أي الأفكار التي جاء بها كنزي، أحد آباء الفكر الرأسمالي التقليدي. ومن ثم اعتنقوا فكرة السوق. وكذا كرروا، دون أي سند في الواقع، مقولات تؤكّد أن الأوضاع ستكون، غداً، أفضل.

وذلك على أساس أن الأسواق ستتوصل إلى إعادة ضبط ذاتي لآليات عملها. والملفت للانتباه، كما يشير المؤلف، أن مثل هذا الخطاب، لا يزال سائداً حتى لدى قسم كبير من اليسار الغربي. والنتائج المباشرة التي ترتبت على ذلك، تمثلت في إنقاذ البنوك وتدمير الضمان الاجتماعي والخدمات العامة، بينما أصبح العجز العام، بمثابة سلاح فتّاك يمكنه أن يساهم في تدمير المجتمع. ولا يتردد حليمي في التأكيد على أن مظاهر التمييز العنصري ونبذ الآخر ليست بعيدة عن الأفكار التي كررها قسم كبير من النخب، غذ إن بعض هذه الأفكار فتح الأبواب أمام مختلف أشكال الانقسام. كما أن الحكومات نقدت الكثير من سلطتها ومن دورها الاجتماعي.

 وهكذا، أدّت الإصلاحات الليبرالية الجديدة، إلى تحويل مجموعات إنسانية، متضامنة في ما بينها، إلى نوع من هيئة المالكين الصغار، أي الذين تهمهم بالدرجة الأولى، مصالحهم المادية، بعيداً عن أي حس إنساني تضامني. وبالإجمال جرت عملية إدخال السوق إلى العقول، في جميع ميادين الحياة والنشاط الإنساني. وغدا الجميع يولون انتباههم إلى تأرجح السوق، لتقدير قيمة ما يملكونه.

ويمثل الكتا، عموماً، وجهة نظر نقدية لتاريخ صعود "الأفكار الليبرالية الجديدة". ويشرح مؤلفه الكيفية التي تلقى فيها العالم السياسي الأميركي المحافظ، ممثلاً خاصة في رونالد ريغان، تلك الأفكار. ومن ثم تلته، رئيسة وزراء بريطانيا، قبل عقود: مارغريت تاتشر. ويركز في هذا الخضم، على الدور الذي لعبته وسائل الإعلام.

 

 

 

 

 

الكتاب: القفزة الكبـرى إلى الوراء

تأليف: سيرج حليمي

الناشر: اغون - باريس- 2012

الصفحات: 896 صفحة

القطع: المتوسط

 

Le grand bond en arrière

Serge Halimi

Agone - Paris- 2012

896 .p

طباعة Email
تعليقات

تعليقات