كتاب الاستعارات

 

يعد مارك فومارولي، أحد أبرز علماء اللغة الفرنسيين المعاصرين. وبعد أن قدّم دراسات عديدة عن البلاغة اللغوية، القديمة والحديثة، يخصص عمله الأخير للبحث في "الاستعارة اللغوية"، تحت عنوان "كتاب الاستعارة".

يوضح المؤلف، بداية، أن الاستعارة في اللغة الفرنسية، تعود في أصولها إلى اللغة اليونانية القديمة، حيث تعني اللفظة: "التحويل الذهني الصرف لكلمة، أو بتعبير، من معناه الأول أو معناه المحدد بدقة إلى معنى آخر أو إلى نوع من الصورة". ويرى أن هذا الانزلاق من معنى إلى آخر، يشبه إلى حد كبير عملية انبعاث لغوي. وهكذا مثلاً تبدّل تعبير نار المدخنة إلى نار العواطف، مع الزمن.

ويشير المؤلف إلى أن الشعراء والكتّاب الكبار يجيدون اللعب في هذا الجانب، بكثير من الفن. ولكن البشر العاديين، وكل إنسان، يستفيد من هذه السمة، في اللغة، ضمن الحياة اليومية وبصورة آلية تقريباً. وفي غالب الأحيان، من دون أن يتنبّه إلى ذلك. وما يؤكده المؤلف هو أن اللغة، كل لغة، تكدّس وتزيد عبر القرون، كنزها الخاص من الاستعارات. ويركز على القول إن مثل هذه العملية تتم غالباً جداً بواسطة النقل الشفهي.

ويوجه فومارولي إلى قارئه، نوعاً من الدعوة نحو ولوج عالم "كتاب الاستعارات"، الذي يعود في التنقيب فيه، إلى الأزمنة القديمة. ولكنه ينطلق في عمله من محادثات عادية، أجراها مع أصدقائه من كتّاب وأدباء، وتنبّه فيها إلى الكم الكبير من الاستعارات التي يستخدمونها. وبهذا المعنى، بدأ اهتمامه بالاستعارات كنوع من اللعب.

حيث كانت "شلّة الأصدقاء الكتّاب" تقوم بتشكيل "قوائم" في "الاستعارات" المستخدمة، في شتى الميادين، على غرار مجموعات الفراشات، كما يقول. ومن ثم أعقب "اللعب" نوع من الانبهار ببعض الاستعارات والتي تدل على قدر كبير من المخيلة العبقرية، مثل: وضع المحراث قبل الثور، لامست قدماه مؤخرة رقبته (للدلالة على سرعة الجري أو الهرب).

ويشير إلى أن هناك فرقاً كبيراً بين مثل هذه الأعمال - القواميس، التي تتبنّى نظام التسلسل الأبجدي للغتها، وبين عمله الأكثر قرباً من مفهوم "الموسوعة"، المفضلة التصنيف تبعاً لـموضوعات البحث الملموسة، مثل الصيد والتاريخ والجسد والزراعة. وكذلك الحرف التي تزخر لغتها بـالاستعارات.

ولعل من أهم سمات هذا العمل، بحث المؤلف - عالم اللغة -، في آليات التحول من المعنى الأولي، المحدد بدقة للدلالة على شيء معيّن، إلى معنى متصوّر، أي إلى "استعارة" بالمفهوم المستخدم. ويوضح أن الاستعارات تهاجر، وهي تحمل في هجرتها معنى محدداً وملموساً باتجاه معنى متصوّر، يحتفظ غالباً جداً، بالسمة الملموسة لمكان ولادته. ثم إنها هجرة في مشهد اللغة وذاكرتها. ويؤكد في هذا السياق، أن النقاط المهمة في هذه الهجرة- الرحلة، هي مفارق الطرق.

حيث يمكن أن تتعدد المعاني وتسافر في اتجاهات مختلفة، إذ ربما نجد آثارها في حكايات "جان لافونتين"، على لسان الحيوانات (على غرار كليلة ودمنة للجاحظ)، وصولاً إلى المقالات الصحافية، حالياً. ويتحدث المؤلف عن اكتشافات عديدة، مثل معرفة أن كلمة "موسلين" في اللغة الفرنسية، جاءت من الموصل و"داماسّي"، أي زيّن بالألوان، قدمت من دمشق. ويتذكّر في هذا السياق، الاستعارة الأولى التي دخلت إلى وعيه، ومفادها سقطت يداي للدلالة على العجز.

وفي كل الحالات، يركّز المؤلف على القول إن "اللغة الفرنسية لا تتوقف عن الاختراع". والأمثلة التي يقدمها المؤلف في هذا الكتاب - الموسوعة، كثيرة جداً. ومن الصعب أن تحصى، وهي مأخوذة من جميع الميادين والحرف، ولكن أيضاً وخاصة، من عالم الأدب.

وهكذا يأخذ من كتاب "غارغانتوا" لمؤلفه فرانسوا رابليه، استعارة من عالم غارغانتوا، عندما كان مراهقاً، إذ تصرّف كالحمار كي يكون له صوت، بما يعني، أن يفعل المرء كل شيء كي يحصل على ما يتمناه. ويدرج المؤلف جملة استعارات:

"علينا أن نصنع الطقس الجميل"، "علينا أن نضع بعض الحرارة في القلب"، منطق "العصا والجزرة"، "مثل كرة الثلج"، "سحب الكستناء من النار"، "حصة الأسد". ومن ثم يبين أنها عينات من استعارات تزخر بها اللغة الفرنسية. ويعلق عليها بتوسع، من موقع المؤرخ المحب، كما يمكن أن يُستكشف من المتعة التي ترشح من تعليقاته.

 

الكتاب: كتاب الاستعارات

تأليف: مارك فومارولي

الناشر: روبير لافون- باريس- 2012

الصفحات: 1120 صفحة

القطع: الصغير

 

Le livre des métaphores

Marc Fumaroli

Robert Laffont - Paris- 2012

1120 .p

طباعة Email
تعليقات

تعليقات