شبكات السخط والأمل

صورة

كتب الأستاذ الجامعي الأميركي، مانويل كاستل، عشرات الكتب والدراسات، عن "عصر الاتصالات"، خاصة من زاوية العلاقة بين التكنولوجيا والمجتمع والثقافة. وهو يكرّس كتابه الأخير، الذي يحمل عنوان "شبكات السخط والأمل"، لدراسة الحركات الاجتماعية في عصر الإنترنت، كما يقول عنوانه الفرعي.

يتفحص كاستل في هذا العمل، "الجذور الاجتماعية والثقافية والسياسية" لهذه الحركات الاجتماعية الجديدة، إلى جانب دراسة الأشكال المتجددة لعمليات الضبط الذاتي، وتقدير الدور المحدد للتكنولوجيا الحديثة في خلق دينامية التحرك الاجتماعي. وفي المحصلة، يحاول شرح كيف أن شبكات التواصل الاجتماعي، تجد أصداء لها، لدى شرائح كبيرة من المجتمعات المعاصرة.

وبالتالي، تستطيع أن تمتلك دوراً في الشروع بـعملية تغيّر سياسي، عبر التأثير على ذهن من يتواصلون عبرها. يدرس المؤلف الحركات الاجتماعية وأشكال الاحتجاج في عالم اليوم، ابتداءً من الثورة المصرية، ثم: حركة الاحتجاج في أسبانيا، محاولة احتلال وول ستريت. ويلي هذا، فصل يحمل عنوان: "تغيير العالم في مجتمع الاتصالات". والفصل الأخير من الكتاب: "ما بعد السخط، هناك الأمل: حياة وموت الحركات الاجتماعية". وفي جميع الحالات، يمثل الكتاب، بحثاً في دور شبكات التواصل، بتغيير وجه العالم.

ويرى المؤلف، أن شبكات الاتصال تشجّع بطريقة لا واعية في أكثر الأحيان مفهوم المساواة، باعتبارها أدوات في متناول الجميع. ثم إن تبادل المعلومات والمعارف، يشكّل بحدّ ذاته محاولة لإنعاش النقاش حول الإمكانيات التي يمكن استخدامها عبر شبكات التواصل الاجتماعي في مختلف المجالات، مثل مجال العناية بالصحة والمداواة، وفي تعميم التربية الاجتماعية.

ويشدد المؤلف على أن تلك الشبكات تستهل عمل الحركات الاجتماعية والسياسية، الأمر الذي ربما ينبئ بولادة فجر عصر جديد، هو عصر المعلومات. ولا يتردد في القول، أيضاً، إن ثورة تكنولوجيا المعلومات، بالتوازي مع الأزمة الاقتصادية للرأسمالية وازدهار حركات اجتماعية جديدة، أسهمت في إنتاج مجتمع جديد، كانت ملامحه قد بدت منذ سنوات الستينات في القرن الماضي. ويرى كاستل أن ثورة تكنولوجيا المعلومات لم تكن بعيدة عملياً، عن انهيار الاتحاد السوفييتي السابق

مؤكداً أنه في كل مكان شهد احتجاجات اجتماعية، منذ سقوط جدار برلين ووصولاً إلى "الربيع العربي"، جاءت في سياق صعود حركات اجتماعية جديدة كـإجابة على أزمة بفعل الأوضاع القائمة. وهكذا برزت بنى اجتماعية جديدة (مجتمع الشبكات)، وبنى اقتصادية جديدة (اقتصاد عالمي قائم على المعلوماتية)، وبنى ثقافية جديدة (ثقافة يقوم على ما هو افتراضي).

ويقبل كاستل، فكرة أن المؤسسات الاجتماعية لا تتبع منطق "مجتمع الشبكات". ذلك أن هناك بنى تقليدية تمتلك قدراً كبيراً من المقاومة، على غرار احتفاظ المجتمعات الصناعية التي انبثقت عن الثورة الصناعية الكبرى منذ القرن الثامن عشر، بأشكال مختلفة من أنماط "المجتمعات ما قبل الصناعية". ولكنه يدافع عن تأكيد الدور المركزي الذي تلعبه شبكات التواصل الاجتماعي، في تشكّل حركات اجتماعية جديدة.

وفي كل الحالات، يرى المؤلف أن منطق مجتمع الشبكات تغلغل في جميع دوائر الحياة الاجتماعية الحديثة. وهو يميل نحو تهميش آثار المجتمعات القديمة.

ويتوسع المؤلف، بعد ذلك، في شرح ما يسميه "سلطة الاتصالات"، وآثارها خلال العامين المنصرمين، اللذين شهدا انفجار حركات اجتماعية غاضبة. وبعد أن يحلل باقتضاب، تعبيرات الانفجار المقصود، في كل من: أيسلندا وتونس ومصر، وبالمقابل، الحركات الاجتماعية في: أسبانيا وفي أميركا. نجده يحدد مجموعة من "السمات المشتركة" بين هذه الحركات المتنوّعة.

والسمة الأولى هي ارتباط الحركات فيما بينها، بـشبكات متنوعة، مثل: شبكات في المدن، شبكات على صعيد التنظيم، شبكات على صعيد التكتيك. وعبر هذا كله، يبين أنه جرى تجاوز وكسر احتكار وسائل الإعلام العامة، الخاضعة إلى حد كبير للسلطات القائمة. من هنا بالتحديد تمّ تجاوز رقابة الدول المعنية. وهذا بالإضافة إلى تمتعها بـقدرة مقاومة كبيرة، حيال مختلف أشكال القمع والنزاعات الداخلية. ومن بين السمات الأخرى، كون الحركات الاجتماعية الجديدة، "غير عنيفة".

وذلك من حيث الشبكات التي تستخدمها، إذ إنها تسعى إلى التعبئة الاجتماعية. ولكن هناك سبلاً كثيرة يحتمل أن تؤدي إلى العنف. ويبقى الهدف الأساسي لـشبكات السخط والأمل، حسب المؤلف، القيم السائدة. وبهذا المعنى، فهي ذات طبيعة سياسية عبر تغيير القواعد النافذة.

 

الكتاب: شبكات السخط والأمل

تأليف: مانويل كاستل

الناشر: بوليتي برس- نيويورك 2012

الصفحات: 200 صفحة

القطع: المتوسط

 

Networks of outrage and hope

Manuel Castells

Polity Press- New York - 2012

200 .p

طباعة Email
تعليقات

تعليقات