لوبن.. قصة فرنسية

يرى المؤلفان، في استهلال كتابهما، أن جان ماري لوبن، أحد أعمدة السياسة الفرنسية المعاصرة. وهو السياسي الذي يجد فيه كثيرون، الشخصية التي تسمم الديمقراطية في فرنسا. بينما ينظر إليه البعض كنموذج للغرائز السيئة التي تهزّ استقرار المجتمع.

ويلفت المؤلفان إلى أنه استغرق إعداد العمل، عامين من التحقيقات.. وهما يعودان بداية، إلى تاريخ 20 يونيو 1928، حيث وُلد لوبن لأسرة صيادي سمك في مدينة موربيهان الفرنسية. ويربط المؤلفان بين قصة لوبن وتاريخ الجمهورية الفرنسية الخامسة، التي قامت عام 1958، عندما كان قد أصبح شاباً في الثلاثين من عمره.

وأجرى المؤلفان، كما يبينان، سلسلة من التحقيقات والمقابلات لتقديم صورة دقيقة عن شخصيته "المعقّدة". ويبدو في المعنى الذي يدللان عليه، أنه "قرصان في السياسة"، إذ استطاع أن يكون قبطان سفينة "الجبهة الوطنية"، بعد أن تجاوز جميع الذين كانوا يطمحون إلى ذلك.

والجبهة الوطنية، كما يشرحان، الحركة التي تعبّر عن الحزب اليميني المتطرف، الذي غدا أحد أكثر الأحزاب السياسية الفرنسية شعبية، إذ إنه حصل في الانتخابات الرئاسية الفرنسية الأخيرة، على أكثر من 15 بالمائة من أصوات الناخبين.

ويجد المؤلفان أن السمة الأكثر بروزاً في سلوكية لوبن، في ميله إلى إطلاق التصريحات المدوّية والمثيرة للجدل، مثل إعلانه مواقف مناهضة للسامية، أو تصريحاته عن التعذيب في الجزائر أثناء حقبة الاستعمار الفرنسي. ولكنهما يؤكدان أن لوبن، الذي استطاع أن يحصد نسبة 17.79 بالمائة من أصوات الناخبين في الانتخابات الرئاسية الفرنسية لعام 2002، لم تتولّد لديه أبداً القناعة، بإمكانية وصوله إلى السلطة.

ويريان أنه مثّل دائماً، نموذج الفوضوي في معسكر اليمين، كما يروق له، منذ طفولته، أن يصدم البرجوازيين، لأنه يكرههم. ولكنه كان مثلهم، يحب المال، إلى درجة أنه اعتبر دائماً، الأموال التي تصل إلى حزبه السياسي: "الجبهة الوطنية"، بمثابة أموال خاصة به. وأما ثروة لوبن الحالية، فيقدّرها المؤلفان بأنها تتجاوز مبلغ 30 مليون يورو. ومصدرها، في المقام الأول، هبات وتبرعات الأثرياء، من الذين يتعاطفون مع اليمين المتطرّف.

ويتعرض المؤلفان لعلاقة لوبن مع إسرائيل، ويشيران إلى أنه بعد الانتخابات البلدية الفرنسية لعام 1983، أراد رئيس الجبهة الوطنية الفرنسية، كسب تعاطف اليهود الفرنسيين، وسهّلت علاقاته مع طائفة "مون" الأميركية، نسج علاقة مع جاك توركزينر، رئيس الحركة الصهيونية العالمية، الذي دعا لوبن إلى حضور المؤتمر اليهودي العالمي، في 17 فبراير عام 1987 في نيويورك.

وفرح لوبن، عندما علم بالدعوة. والتزم أن يبقى متحفظاً في الحديث عن ذلك اللقاء، واحترام التزامه. وجرى اللقاء أمام 40 شخصاً من ممثلي الجمعيات اليهودية. كما ألقى لوبن كلمة، ذكر فيها حادثة جرت في عام 1956.

ولا يتردد المؤلفان في وصف خطاب لوبن، في ذلك اليوم، أنه كان متعاطفاً جداً مع إسرائيل. وذلك طبقاً للنهج ذاته، الذي كان يرى في إسرائيل، إحدى دعائم العالم الحر في النضال ضد الشيوعية الدولية. ودعا لوبن في الخطاب عينه، إلى إغلاق مكتب منظمة التحرير الفلسطينية في باريس. كما أبدى نزعة أطلسية متحمسة ودعا إلى دمج إسرائيل مع الجبهة الأوروبية. وعندما انتهى لوبن من إلقاء كلمته، قوبل بتصفيق حاد من الحضور. بل اقترح ادغار بروفمان، رئيس المؤتمر اليهودي العالمي، مرافقته حتى الطائرة.

وبعد أن يشير المؤلفان إلى مقال نشرته صحيفة "ليبراسيون" الفرنسية، في 12 فبراير عام 1985، تحت عنوان: "عذّبهم لوبن"، وكان المقال مرفق بشهادات.. يسألان: هل قام جان ماري لوبن بتعذيب الجزائريين، عندما كان ضابط استخبارات في بلادهم؟ ويعود المؤلفان في معرض الإجابة، إلى التذكير بأن صحافة اليسار ومثقفيه، أكدوا أن لوبن فعل ذلك.

ومن ثم ينقلان ما كان قد صرّح به عام 1964، لصحيفة "كومبا": "ليس لدي ما أخفيه. مارست التعذيب لأنه كان ينبغي فعل ذلك. وعندما يتم اقتياد شخص وضع 20 قنبلة يمكن أن تنفجر بأي لحظة ولا يريد الاعتراف، فإنه ينبغي استخدام وسائل استثنائية لإرغامه على الاعتراف. ومن يرفض ذلك، مجرم ويداه ملطختان بدماء ضحايا، كان يمكن تجنيبهم الموت". ومن التصريحات المدوية، التي ينقلها المؤلفان عن لوبن: "في اليوم الذي سيكون فيه لدينا بفرنسا ليس 5 ملايين بل 25 مليون مسلم سوف يحكموننا".

 

 

 

 

 

الكتاب: لوبن، قصة فرنسية

تأليف: بيير بيان، فيليب كوهن

الناشر: روبير لافون - باريس- 2012

الصفحات: 550 صفحة

القطع: المتوسط

 

Le Pen, une histoire française

Pierre Pean, Philippe Cohen

Robert Laffont - Paris- 2012

550 .p

طباعة Email
تعليقات

تعليقات