الذبيحة

يتناول كتاب - رواية "الذبيحة"، لمؤلفه آرام سبتجيان، موضوع الحرب الأهلية اللبنانية، التي دامت خمسة عشر عاماً ونيّفاً، إذ لم تترك شيئاً لم تقم به .." فقتلت ما استطاعت من النفوس وشرّدت الكثيرين، تحت أنظار مُشعلي الحرب باسم الوطنية، الفرحين بما يفعلون".

وتتبدى في سرديات سبتجيان أحاسيس مَن عانى المأساة وقلمه يقطر دمّا. وهكذا نجده يتخذ لروايته بطلاً سماه أشود نركيسيان، الرجل الطيب ورب الأسرة الحنون الذي أبعدته هذه الحرب المسعورة، قسراً، عن أم تحتضّر وزوجة يحبها وطفلين هما قُرّة عينه. وبذا أبقته بعيداً عنهم أربعين يوماً في مدينة جدة السعودية، قضاها بين الأمل في العودة إلى الأحباء واليأس القاتل، تهدئه أحداث ومواقف إنسانية متباينة، عاكفاً خلالها على عمل عليه أن يُنجزه بدقّة في تزيين قصر أمير البلاد بصفته مهندس التزيين المُستورد من لبنان.

وقبل أن يبدأ المؤلف الرواية، يقدم صورة مواطن لبناني في مقهى عند شاطئ البحر في لارنكا، يشكو مأساته إلى جليس لـه من قبرص. ومن خلال حديثهما يسرد كل قصته في رواية بأسلوب مؤثر، مُبكِ محزن أحياناً ومُضحكِ فَكِه أحياناً أخرى. وفي كلتا الحالتين يُفكر في ابتعاده عن أسرته وإقامَتِه الإجبارية في جدة بعد أن فقد سبل العودة إلى بيته في بيروت.

ولا ينسى المؤلف، إبّان تسلسل الأحداث، ذكر النكبات التي مرّ بها الشعب الأرمني في فترة الحرب العالمية الثانية، وقبلها الحرب العالمية الأولى، تلك التي كانت سبباً في تشريد هذا الشعب المناضل المجتهد.

وينطلق سبتجيان في عمله، من الأحداث السياسية الاجتماعية التي بدأت في لبنان في 13 أبريل 1975، ودامت 18 عاماً، تحت عنوان "الأزمة اللبنانية"، ليقارنها بما حصل في تاريخ الأمم المختلفة من أحداث مماثلة، من صراعات أهلية طويلة الأمد تُدمِّر البلد وتجعل العاصمة، مع أجزاء كبيرة من مدن أخرى، خراباً يباباً، وتقهر الشعب بالقتل والذبح والانحلال الاجتماعي والاقتصادي، ويفقد الأمن على الأنفس والممتلكات، فلا وجود للدولة مع ضرورة وجودها، ما يتسبَّب في هروب الناس ونزوحهم، بغية الخلاص من هذا الجحيم الفظيع، وما يتبع ذلك من حالة نفسية حزينة يعيشها اللبناني خارج وطنه وفي قلبه لوعة على بلاده.

ويبين المؤلف كيف أنه صارت أزمة لبنان، لا تخص اللبنانيين، وحدهم بل تخص الأرمن أيضاً، الذين هم مكون أساسي في نسيجه المجتمعي، وكذا شعب خبر ويلات الظلم والاضطهاد. وعليه تقاسم الشعبان الانهيار الإنسان والاقتصادي. وهنا يصرخ في سردياته مستهجناً في تساؤلاته عن كيفية جواز وقوف الكاتب اللبناني الأرمني (مثله هو)، مكتوف اليدين أمام هذه المجزرة الشنيعة (الحرب الأهلية). فكيف يمكن له أن يتجاهل هذه الظاهرة اللاَّإنسانية في إبداعاته ومؤلفاته .. وقد ارتبط مصيره بمصير مواطنه العربي؟

 وهذا مع أنه وقف موقف الحياد من الفصائل المتصارعة، بكل طوائفه وأحزابه السياسية. وفوق هذا نتبينه في الرواية وهو يعاني من الاضطرابات اليومية التي تدخل في صميم حياته، إذ مدّ جسراً روحياً بين قلب الكاتب والمواطن اللبناني المعذب، سواء كان عربياً أم أرمنياً، شمالياً أو جنوبياً، من شرق بيروت أو غربها، من أتباع المسيحية أو الإسلام. وحجته بأن اللبناني الأرمني لا يقبل أي مبرر لسيل الدماء هذا، مهما ارتفع الخلاف الطائفي والسياسي بين التيارات.

ويحلل الكاتب في فصول روايته، جملة أحداث وانطباعات وتفاصيل، يناقش فيها عناصر الأزمة اللبنانية، مسلطاً الضوء على فداحة التدمير وسيطرة الشر على الإنسان ليجعله يمارس الحقد والفظاعة على مثيله، بكل وحشية. ومن دون أن ينسى الحديث عن الأمل الذي ستظل روح الإنسان المتعلِّق بأرضه والذي ربط قدرَه بوطنه، وفية له.

وتتضح لنا في حبكة الرواية، كيف أن اللبناني الأرمني، وقبل كل شيء، ذلك الأرمني الذي أُجلي عن أرضه قسراً.. إنه يعيش بقلق اليوم وفي ذاكرته معاناة آبائه وتشريدهم وقتلهم، وبعد أن أصبح كاتباً ومفكراً، فإنه سيربط بالطبع: القديم والحديث، قوميته بلبنانيته، شخصيته بالإنسانية العالمية. وفي ضياعه هذا سيبحث عن حل جديد للتعبير عن حاضره ونفسيته. ويكفي هذا ليكون كشهادة على العصر.

 

 

 

 

 

الكتاب: الذبيحة

تأليف: آرام سبتجيان

الناشر : دار نعمان للثقافة ، جونيه ، لبنان، 2011

الصفحات : 185 صفحة

القطع : الكبير

طباعة Email
تعليقات

تعليقات