لماذا نبني؟

هناك مؤشرات كثيرة على أن العالم يتحوّل، أكثر فأكثر، إلى عالم من المدن والى غابة بناء تتسع في مختلف مناطق المعمورة. ومن الواضح أن البشر غدوا يتفننون، أكثر، فنون هندسة العمارة. ولكن: "لماذا نبني"؟ .. هكذا يستهل موضوعات بحثه، الكاتب روان مور، في كتاب يختار أن يبدأه بتساؤل مهم، يمثل العنوان نفسه: "لماذا نبني"؟

يؤكد روان مور، بادية، عدم وجود نظرية محددة للبناء الحديث. ومن هنا تأتي أهمية الاختيار الفردي. إذ إنه، وفي ظل غياب قواعد محددة بدقة، يصبح الرأي الفردي ذا قيمة كبيرة للكثيرين. وفي كل الحالات، فإن البشر هم الذين يبدعون في مجال الهندسة المعمارية، التي تظل ميدانا غير مكتمل. كما أنها رهينة الظرف، إلى حد كبير.

ويضرب المؤلف عددا من الأمثلة، عن أهمية الظرف في إنجاز البناء. وهكذا يتحدث عن كيفية تطوير تخوم مدينة لندن، حيث لم يكن المصممون معروفون بكفاءتهم، وجرى اتباع الأسلوب الشائع في البناء. وكذا كانت مواد البناء، رخيصة الثمن. والنتيجة هي بناء من نوعية سيئة.. إن المحصلة العامة، كما ينقلها المؤلف عن أحد معاصري عملية البناء، أن مجموع عملية البناء كان مقبرة للأحلام.

ويلفت إلى ان تلك المساكن غدت، بعد فترة من الزمن، مكتظّة بالقاطنين، واشتهرت بتجارة المخدرات وبأمكنة لانطلاق الشغب. ويصل المؤلف إلى القول ان الظرف يؤثر على طريقة البناء، لكن هذه الطريقة ونمط البناء، لهما تأثيرهما أيضا، على ذهنيات القاطنين. ويرى المؤلف، أنه ليس صدفة أن تكون المجمّعات السكانية الكبيرة، في ضواحي المدن المعروفة في العالم، في الوقت نفسه، أمكنة يغيب فيها الأمن، إلى هذه الدرجة أو تلك.

ويشدد المؤلف على أنه لـهندسة البناء، علاقة عضوية وثيقة مع المال والسلطة، بمعنى امتلاك القدرة، موضحا أن جميع الأنظمة السياسية الكبرى في العالم التي قامت على خلفيات إيديولوجية، كان له نمط عمارتها. لكن مور يجد ان النظام الهتلري "الرايخ الثالث"، الوحيد بين الأنظمة الفاسدة في العالم، الذي كان عاجزا تماما عن إبداع هندسة معمارية مرموقة.

ويناقش المؤلف، دور مسائل لا علاقة لها بالهندسة المعمارية، مثل المال والحياة العائلية ونزوات العمل الوظيفي، في تحديد المنحى المعماري، مؤكدا ان مسألة تقييم الهندسة المعمارية، بين جيدة وسيئة، تتعلّق دائما، بمجال الانفعالات الإنسانية لمن يقومون بالتقييم. ذلك أن الأبنية تخضع في نهاية المطاف، لما تفرضه الانفعالات والرغبات. كما أن الأمر يخضع أيضا، إلى منطق التطور والاستجابة لنمط الحياة الذي يحيط بنا.

ويحدد المؤلف أحد السمات الأساسية في الهندسة المعمارية الناجحة، متمثلا في القدرة على التأقلم. وبعيد الى الذاكرة سنوات طفولته في ساحة "بيمبريدج" في بلدة نوتينغ هيل في بريطانيا، خلال سنوات الستينيات من القرن الماضي، حيث كانت أسطحة المباني تعاني من عطب كبير، ولكنها من بين الأفضل في مدينة لندن ومنطقتها.

 ولا يتردد المؤلف في القول ان تلك الحدائق الداخلية العامة، كانت أكثر فاعلية واستجابة لمتطلبات الساكنين، أكثر من أي تصميم معماري حديث. ويسهب المؤلف في توصيف أبنية نوتينغ هيل، حيث يمكن للمرء العيش في حجرة واحدة، بجوار الدرج المركزي، أو ربما بحجرتين، مثلما كان الأمر بالنسبة للمؤلف وأسرته، كما يشير.. ويلفت إلى ان هذا التنوع في مساحة المساكن.

وفي وظائفها، سمح بوجود مزيج من الأسر الفقيرة والغنية والشباب والطاعنين في السن، بالإضافة إلى القادمين من مدينة لندن، حيث أسعار السكن باهظة. وهكذا جاء الاختلاط الكبير في الأعمار والشرائح والمراتب الاجتماعية بمثابة "بوتقة" لتجربة العيش المشترك.

ويخلص المؤلف إلى أن المحرّك الرئيسي وراء القيام بعملية البناء، الأمل بسعادة الأسرة أو رغبة بالثروة أو الإعلان عن وضع اجتماعي. ولكنه يشير إلى أن المعمار الناجح اجتماعيا، يأتي غالبا بنوع من الصدفة. وفي المحصلة، فإنه لا يقترح أية خطة للإجابة عن سؤال: "لماذا نبني"؟ إذ يشير إلى انه، وكما قال جان لينون، إن الحياة هي ما يجري بينما أنت مشغول بخطط أخرى.

 

 

 

 

 

 

الكتاب: لماذا نبني؟

تأليف: روان مور

الناشر: بيكادور - لندن 2012

الصفحات: 304 صفحات

القطع: المتوسط

 

Why we build

Rowan Moore

Picador ذ London - 2012

304 .p

طباعة Email
تعليقات

تعليقات