تطور المجتمعات الإنسانية قبل التاريخ

  • الصورة :
  • الصورة :
صورة

"كان الجميع صيادون"، والمقصود بذلك هم البشر في الحقبة الأولى ما قبل التاريخية المعروفة باسم "حقبة القطف قطف الثمار- والصيد". والمؤرخ الفرنسي الان تيستار، يقدّم كتابا تحت عنوان "قبل التاريخ"، يبحث فيه تطور المجتمعات الإنسانية، منذ تلك الحقبة، أي إلى ما قبل 40000 سنة على ظهور مفهوم الدولة، في ما قبل 4000 سنة. ويحمل الكتاب عنوان "قبل التاريخ: تطور المجتمعات".

يعتمد المؤلف في تأريخه لهذه الفترة الطويلة من تاريخ المجتمعات البشرية، على المعطيات الأكثر حداثة التي توصّل إليها علم الآثار، وعلى مختلف الدراسات في هذا الميدان منذ القرن التاسع عشر. ويشير الى أنه لا توجد حتى الآن، أية دراسات جامعة لتطور البنى الاجتماعية البشرية، على الصعيد العالمي وعلى المدى الطويل. ونجده يسلّط الضوء على ما يعتبره لحظات مفصلية، في مسيرة التطور الاجتماعي الإنساني الطويلة.

ويتعرض المؤلف، في دراسته تطور المجتمعات الإنسانية، لأصول الثروة والفقر، وكذلك أصول الزراعة وإلى العلوم والفنون. ويركز عليها على اساس أن كل موضوع منها، يشكل نقطة مفصلية في التطور الاجتماعي الإنساني، وفي نمط العلاقات بين البشر. وعبر هذه الأمور كلها، يحاول تريستار تحديد المعنى الشامل للتطور.

ذلك منذ المجتمعات البدائية التي كانت تفتقر إلى الثروة، وحتى المجتمعات "المنظمة بدقة". ويرى المؤلف أن للتاريخ توجهه ومساره، لكن هذا لا يعني أن الصيغة المعاصرة للمجتمعات الإنسانية هي أعلى من الصيغ التي قد سبقتها. ويبين أن مجتمعات العصر الحجري كانت أكثر تعقيدا على المستوى الاجتماعي، من مجتمعاتنا. ذلك أنها كانت بعيدة عن أي تنظيم..

وبدأت أشكال مثل هذا التنظيم مع نمط الحياة الزراعية. والمؤلف يدرس في هذا العمل، تعاقب الصيغ المجتمعية. وما يكشف عنه هو أن البؤس ظاهرة سلبية حديثة العهد نسبيا. وهي ترتبط ببروز ممارسة بيع وشراء الأراضي، على غرار كل ما يمكن بيعه وشراؤه. ذلك أنه، نتيجة لتلك الممارسة، فقد الكثير من البشر وسيلة إنتاجهم. وبالمقارنة مع الفترة السابقة على تجارة الأراضي، يشير المؤلف الى أنه في الماضي، كان يكفي أن يعمل الإنسان في حقله، ليؤمن امتلاكه لما يكفي لغذائه.

وبالتالي لم يكن هناك من يعاني من الجوع. ويقدّم في هذا السياق، فكرة إمكانية أن يكون البؤس قد ظهر مع نزع ملكية الفلاحين لأرضهم، ما حرمهم من مصدر عيشهم. ومع تطور المجتمعات بعد ظهور المدن، أصبح البؤساء هم أولئك الملايين الذي توجهوا صوب المدن، كي يزيدوا أعداد طبقة عاملة، تعاني كثيرا من البطالة، في أحيان كثيرة.

وينبّه المؤلف من مقولة تتردد، مفادها أن المجتمعات البدائية كانت بمثابة فترة ذهبية، فربما تدفع البعض إلى التعبير حيالها بكثير من الحنين. وما يؤكده أن مجتمعات الحقبة الحجرية، الواقعة ما بين فترة 10000 إلى 35000 سنة قبل الميلاد، كانت ممهورة بقدر كبير من اللامساواة.

ولكن الأمور تغيّرت بشكل جذري، منذ ما يسميه المؤلف بـ"اختراع الثروة"، في حقبة تتراوح بين 2000 عام و10000 عام قبل العصر الميلادي. فمع ذلك "الاختراع" جرى التقسيم، بين أثرياء وفقراء. وفي معرض البحث عن ظهور المنظمات والبنى السياسية في المجتمعات الإنسانية، يبين المؤلف أن القارة الأوروبية شهدت، أكثر من غيرها من مناطق العالم، باستثناء الفترة المعاصرة، وجود قدر كبير من الشعوب المختلفة، في الحقبة نفسها من الزمن، وحيث عرفت هذه الشعوب كلها، نوعا من المجالس الشعبية.

مشيرا إلى أنه ليس هناك ما يمنع التفكير في أن مثل هذه التقاليد الديمقراطية، يحتمل أن تجد جذورها في مجتمعات ما قبل التاريخ. كما يلفت إلى توفر معطيات أثرية تسمح بالقول انه في فترة ما بين 4800 و5500 سنة قبل الميلاد، كانت هناك شعوب تسهم في اتخاذ قرارات جماعية.

ومن الأفكار الأساسية التي يؤكد عليها المؤلف، أن عملية التطور التي شهدتها، وتشهدها، المجتمعات الإنسانية، ليست عمياء. وهذا بمعنى أن أشكال التجديد التقني، وأيضا الاجتماعي، هي نتيجة أفعال إرادية، وحصيلة عملية تكدّس تاريخي، وهي خاضعة لمنطق السبب والنتيجة. والتأكيد في السياق عينه، أن الإيديولوجيا ليست منفصلة عن المصالح المادية، لأولئك الذين يقولون بها. بل ويرى المؤلف، أنها، أي الإيديولوجيا، ليست أكثر من غطاء ليس له أهمية كبيرة، إذا بدا بدون فائدة فعلية.

 

 

الكتاب: قبل التاريخ تطور المجتمعات الإنسانية

تأليف: الان تيستار

الناشر: غاليمار - باريس- 2012

الصفحات:560 صفحة

القطع: المتوسط

 

Avant lصhistoire

Alain Testart

Gallimard - Paris- 2012

560 .p

طباعة Email
تعليقات

تعليقات