النسيان دهاء الشيطان

صورة

ماكس غالو من مواليد مدينة نيس جنوب فرنسا، لكن من أصول إيطالية. بدأ من أول درجات السلم الاجتماعي ووصل إلى أعلى درجاته عن طريق السياسة كنائب وكسكرتير دولة، وطريق الأدب كأحد الكتاب البارزين في المشهد الثقافي الفرنسي منذ عقود عدة.

وبعد أن قدّم عشرات الأعمال من روايات وكتب سيرة ودراسات سياسية، كرّس عمله الأخير لسيرة حياته تحت عنوان "النسيان دهاء الشيطان". إذ إنه يعود أولاً لذكريات طفولته البعيدة. ذلك الوقت الذي كان يعيش فيه مع أسرته المتواضعة في مدينة نيس، مسقط رأسه.

إن إنساناً واحداً يشكل المحور المركزي لهذه المذكرات. وهو ماتيلدا، ابنة المؤلف، والتي ربما فكّر في أن يعطي اسمها عنواناً للكتاب. فماتيلدا انتحرت في عام 1972.

ولكن كان خيار المؤلف لعنوان الكتاب: "النسيان دهاء الشيطان" مأخوذ، كما يشير، من جملة لأحد رهبان كنيسة "سان دونيس" في ضاحية باريس، واسمه ريغورد، جاء فيها: "لا يموت أبداً، سوى أولئك الذين لا يعود أحد يتذكّرهم، ولا يذهب إلى الجحيم سواهم. النسيان هو دهاء الشيطان".

هذا المفهوم لغالو يعود لاعتقاد يصرّح فيه، ومفاده أنه بمقدار ما يتناقل البشر ذكرى موتاهم، يبقى هؤلاء أحياء.. ولذلك أراد في هذا الكتاب- الذكريات، كما يقول، ان "يطيل حياة" من رحلوا بين الذين يحبهم، عبر "تذكّرهم"، ومن بين هؤلاء، وفي مقدمتهم، ابنته ماتيلدا.

وإذا كان ماكس غالو لا يتردد في الإعلان أن انتحار ماتيلدا كان المأساة الكبرى في حياته، فإنه يؤكد بأنها تبقى الاستفهام الأكبر والمصدر الأكثر عمقاً لإحساسه بالذنب. وهو يبدي أسفه العميق لمسار كان قد اختاره وخاصة للقراء الذي اتخذه بالتخلي عن منصبه كأستاذ في مدينة نيس. هكذا ابتعد عن ماتيلدا ليعيش في باريس وصخبها. ويعتبر أنه تخلّى عن ابنته، وأنه عاش بقوة ذلك الإحساس طويلاً. ذلك أنه اختار بكل وعي، الابتعاد عنها والتوجه إلى باريس، مع إدراكه أنها لن تعرف كيف تعيش بعيدة عنه.

 ثم كان صدور كتاب مارتن غراي عام 1871، الذي يحمل عنوان باسم جميع أبنائي. إذ يحكي عن موت أبنائه الأربعة في حريق. وصدور ذلك الكتاب "ضاعف" من قلق ماكس غالو، كما يعترف. وفي العام التالي 1972، صدرت لماكس غالو رواية تحت عنوان: "موكب المنتصرين".

وبطل الرواية هو صحافي وكاتب تخلّى عن ابنته. وكان الإحساس بالذنب يأكله، فكتب رواية وأهداها لابنته. ولكنه نسي المخطوط على مقعد سيارة وضاع. وهكذا لم تر ابنته الرواية التي كتبها كـ"إهداء" لها (لأنها انتحرت).

ويشير المؤلف إلى أن رحيل ابنته ماتيلدا كان وراء روايته التي بدأ بكتابتها غداة رحيلها، وتحمل عنوان: "خطوة نحو البحر". ويعترف مرة أخرى، أن ما يغذي إحساسه بالذنب، أنه كان يرى لديها بعض بوادر الانتحار.

وهكذا كانت قد هربت من المنزل حيث جلبها من مدينة فلورنسا الإيطالية. وكانت قد حاولت، قبل ذلك، الانتحار. ويؤكد أنه كان مستعدّاً لترك باريس والعودة للعيش إلى جانبها في نيس، ذلك لو لم يكن الأطباء النفسانيون قد أكّدوا له، أنه لم يعد هناك ما يمكن أن يثير قلقله.

ولماذا انتحرت ماتيلدا؟

إن ماكس غالو يعيد انتحار ابنته إلى أنها لم تتحمّل خيبة الأمل، التي سادت في فترة ما بعد ثورة الطلبة في فرنسا، خلال شهر مايو عام 1968. ثم هناك جانب تعاطيها المخدرات.. وكانت متطرفة في كل شيء.

ويلفت المؤلف إلى أنه لم يجد من يأمن له لتربية ابنته، سوى أمه وجدّته. وهو يدرك اليوم أن ذلك لم يكن خياراً مسؤولاً. فابنته كانت من جيل الـ1961، وجدّتها كانت تحمل عقلية العصور الوسطى.

وعن ذكريات غالو كابن مهاجرين إيطاليين فقراء، يقول: "تألّمت من الإحساس بالمهانة".. لكنه يؤكّد بالوقت نفسه: "كان علي أن أخرج من ما كنت فيه. وكان السؤال الكبير بالنسبة لي هو: ما الثمن الذي ينبغي دفعه للخروج من المحددات الاجتماعية والثقافية؟". وأما المنعطف الأكبر في حياته فيحدده غالو في الكتابة، ونجاح روايته "خليج الملائكة".

 

 

الكتاب: النسيان دهاء الشيطان

تأليف: ماكس غالو

الناشر: اكسو باريس- 2012

الصفحات: 400 صفحة

القطع: المتوسط

 

 

 

Lصoubli est la ruse du diable

Max Gallo

XO - Paris- 2012

400 .P

طباعة Email
تعليقات

تعليقات