كيف كان الأوروبيون يرون العالم؟

شكّل الفتح الروماني نقطة مفصلية في تاريخ القارة الأوروبية. وكانت هذه القارة مسكونة على مدى آلاف السنوات بشعوب وصلت إلى درجة من التطور، سمحت لها ببناء مراكز تجمع "حضرية". تلك الشعوب التي عاشت في الحقبة ما قبل الرومانية بأوروبا هي التي يكرّس الأستاذ في جامعة مينيزوتا الأميركية بيتر س ويلس، كتابه الأخير لكيفية رؤيتها للعالم، وهذا تحت عنوان: "كيف كان الأوروبيون القدماء يرون العالم؟".

تتوزع مواد هذا الكتاب بين ثلاثة أقسام رئيسية، يحمل الأول منها عنوان: "النظرية والطريقة"، ويكرس المؤلف فصوله الأربعة لطريقة رؤية الشعوب الأوروبية القديمة لـ"الحيوانات المفترسة والزهور" و"العوالم المرئية في بداية قيام أوروبا".

والقسم الثاني الذي يحتل الجزء الأكبر من الكتاب، مكرّس لـ"العالم المادي: الأشياء ومحاولة تغيير مظهرها"، والنظر إلى "الفضاء" وبناء علاقات اجتماعية، وصولاً إلى اختراع العملة، والشروع في الكتابة. أما القسم الثالث والأخير الذي يحتوي على فصلين ختاميين، فهو مخصص لـتعليل الرؤية القديمة للعالم.

إن المؤلف، وبالاعتماد على معطيات وأبحاث "العلوم العصبية"، وعلى دراسات علم النفس، يقوم بعملية "إعادة بناء" للطريقة التي "رأت" فيها شعوب أوروبا الفترة ما قبل الرومانية العالم. هذا مع محاولة تحديد "الموقع" الذي كانت تلك الشعوب تحتلها في العالم آنذاك. ويلقي من خلال ذلك، أضواء جديدة على الطريقة التي كان فيها البشر يتبادلون الأفكار والمشاعر والأحاسيس البصرية، عبر الأدوات المستخدمة في الحياة اليومية.

وكانت تلك الطريقة في "النظر للعالم" قد جرت ترجمتها في الأواني الفخارية وفي الأدوات المعدنية. وأيضاً في طريقة تنظيم وتصنيف الأشياء في أماكن ممارسة الطقوس.

ويشير إلى أن ظهور الكتابة واستخدامها قبل حوالي 3500 سنة من العصر الميلادي، كان بمثابة مؤشر مهم على نهاية حقبة ما قبل التاريخ. هذا فضلاً عن أن الكتابة ساهمت إلى حد كبير بزيادة درجة وعي الشعوب بـهويتها، مبيناً أن توصيف السلتيين، هو نسبة إلى سكان أوروبا القدامى، وكان يستخدم في البداية، للدلالة على جميع أولئك الذين كانوا يعيشون على الشاطئ الشمالي للبحر الأبيض المتوسط.

وفيما هو أبعد من اعتبار السلتيين بمثابة الأجداد القدماء لجميع الأوروبيين، يدرس المؤلف العصر البرونزي للعصر الحديدي في أوروبا، من خلال مقاربة جديدة "تخالف وتتحدّى" وجهات النظر المطروحة السائدة، عن الثقافات ما قبل التاريخية.

والفرضية الأساسية التي يطرحها ويحاول تقديم البراهين على أولويتها، مفادها أنه لا يمكن "تعليل" البنى الأوروبية للحقبة ما قبل الرومانية وطريقة توزيع السكن لمناطق تجمعهم وأماكن إقامتهم وتعبيرات فنونهم، على قاعدة أن هذه المعطيات والمكونات كلها، شبيهة بما هو قائم لدينا اليوم.

ويركز المؤلف على القول إنه ينبغي اعتبار ما كان قد انبثق عن المخيلة ما قبل الرومانية في أوروبا، وما تجسّد في صناعة أدوات أو في تعبيرات فنية، إنما جرى تصوّره وتصميمه من أجل أن يكون "موضوعاً للنظر والرؤية" من قبل الشعوب الأوروبية القديمة التي أبدعته.

وما جرى اختراعه من أدوات وفنون بصرية، يمثل بالوقت نفسه، وسيلة لـقراءة التاريخ الأوروبي في بداياته، أي بمعنى التاريخ الأوروبي منذ الفتح الروماني. والقاسم المشترك بين كل ما أنتجته وأبدعته شعوب أوروبا ما قبل العهد الروماني، أن النزعة الشخصية كانت غائبة عن السلع التي كانت تنتج بصورة جماعية "جماهيرية"، وبالتالي كانت أكثر إنسانية من حيث تعبيرها الاجتماعي، في تلك الحقبة ما قبل التاريخية.

وفي المحصلة العامة، يصل المؤلف إلى نتائج أساسية في مقدمها أن فترة المئتي سنة التي سبقت الفتح الروماني في أوروبا الغربية والوسطى، تميّزت بـتنشيط دورة الإنتاج والاستهلاك الجماعي. وبالتالي تغيّرت علاقة تلك الشعوب مع العالم، بينما تغيرت طبيعة التجربة الإنسانية.

كما يوضح أن المعالم الأثرية ودراسة ما كشفت عنه الحفريات في هذا المجال، مثّلت إحدى أدوات دراسة ثقافات الشعوب الأوروبية القديمة والحدود الجغرافية، التي شكّلت إطار تلك الثقافات، مثل الحدود بين "الغاليين- سكان بلاد الغال" و"الجرمانيين".

وهي حدود قائمة منذ الأزمنة القديمة. وهذا أحد المعايير المتبناة في تحديد الهوية، اعتماداً على معطيات "الثقافة المادية".

 

رؤية مغايرة

ما يؤكد عليه المؤلف، هو أن الشعوب الأوروبية التي تنتمي عملياً، إلى فترة ما قبل التاريخ، عرفت إنتاج الكثير من السلع، مثل: الأواني الفخارية وبعض الأدوات المعدنية، إلى جانب عملية مالية للتبادل وممارسة بعض الطقوس وتنظيم احتفالات.

وبالمقابل يشدد بيتر ويلس، على أن تلك الشعوب كانت ترى العالم بصورة مغايرة تماماً، للطريقة التي كان يراه بها أولئك الذين عاشوا في كنف الحضارة الرومانية. ذلك أن روما القديمة عرفت بدايات القراءة، وكذلك هناك رؤية مغايرة لنظرة المجتمعات الصناعية القائمة في وقتنا الحالي.

 

 

 

 

 

الكتاب: كيف كان الأوروبيون

القدماء يرون العالم؟

تأليف: بيتر س. ويلس

الناشر: جامعة برنستون 2012

الصفحات: 304 صفحات

القطع : المتوسط

 

 

How ancient europeans saw the world

Peter S. Wells

Princeton University Press - 2012

304 .P

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات