إدارة العالم.. تاريخ فكرة

صورة

تتردد، بأشكال عديدة وبإلحاح، منذ عقود، فكرة ضرورة إيجاد إدارة للعالم. ما يعني إلى حد كبير، إيجاد نوع من "الحكو مة العالمية" لإدارة شؤون عالمنا، بحيث تعالج المشكلات الأكثر تهديداً وخطورة، التي تواجه الإنسانية. وهذه الفكرة ليست وليدة الفترة الراهنة المضطربة من المسار الإنساني، بل هي سابقة على ذلك.

وهذا ما يشرحه أستاذ التاريخ في جامعة كولومبيا الأميركية، مارك مازوير، في كتابه: "إدارة العالم.. تاريخ فكرة". يعود المؤلف بتاريخ فكرة "إدارة العالم" إلى مطلع القرن التاسع عشر في أوروبا، تحديداً إلى عام 1815م، عندما وجد المنتصرون أنفسهم في حالة "متطرفة" من الإنهاك، بعد عقود من الحروب والمعارك التي عرفتها القارة القديمة.

فعلى قاعدة ذلك الواقع، ارتفعت أصوات كثيرة، تطالب بضرورة إيجاد منظومة جديدة تسمح بالمحافظة على السلام. ومنذ ذلك التاريخ، وعلى مدى قرنين كاملين من الزمن، بغية التوصل إلى نوع من الحكومة العالمية، لم ينقطع النضال من أجل نشر القيم، وخلق المؤسسات التي يكون منها، وضع أسس ثابتة ومتينة لمواجهة حالة الفوضى والمخاطر التي تسيطر في العالم.

في القسم الأول من الكتاب يقدم المؤلف نوعاً من عرض الأفكار التي قام بها عدد من "الروّاد" في مجال نشر فكرة "إدارة العالم". وفي عداد هؤلاء، البلجيكي بول اوتليه، الذي ربما لم يعد أحد يتذكره اليوم، إذ يصفه المؤلف أنه "أحد أكبر دعاة الإدارة العالمية الكبار في الحقبة الحديثة. وكان اوتليه قد أنشأ عام 1907 "المكتب المركزي للمؤسسات الأممية" في العاصمة البلجيكية، بروكسل.

وحدد الهدف منه بـ"جمع المعطيات العلمية" و"تشجيع السلام في العالم". وهو أيضاً وراء إنشاء مكتبة عالمية ومتحف وجامعة كان المهندس المعماري الشهير كوربزييه قد كُلّف بإعداد مخططاتها. ومن الأفكار التي كان قد تقدّم بها اوتليه صياغة دستور عالمي وحكومة عالمية وقوة شرطة عالمية.

ويشير المؤلف إلى أنه من السهولة بمكان، إلقاء أفكار اوتليه جانباً، باعتبارها دون أهمية حقيقية. لكنه يؤكد بالوقت نفسه، أن ما قاله وكرره على مسامع من أراد أن يستمع إليه، لم يكن مغايراً كثيراً عن الأفكار التي تقدّم بها مثاليون آخرون، أسهمت حججهم في إنشاء "جمعية الأمم" بعد الحرب الكبرى، أي الحرب العالمية الأولى، والتي لم يكن نموذجها بعيداً عن "منظمة الأمم المتحدة" التي تسمع صوتها في الوقت الراهن.

ويرى المؤلف أن فكر اوتليه كان بمثابة محصلة لمجموعة الأفكار الداعية إلى مركز ضبط عالمي، سادت خلال القرن التاسع عشر في أوروبا. هذا مع تحديد القول إن تلك الأفكار كانت تقتصر في أغلب الأحيان، على ضرورة العمل لحل المشكلات، بناءً على قاعدة مفادها أن "الحلول المناسبة هي صحيحة في كل مكان"، وبالتالي عندما تطبق هذه الحلول، تتلاشى الحدود، إلى درجة كبيرة.

ويشرح المؤلف في هذا السياق، التباين الكبير بين المقولات الشيوعية الأممية التي تعد الحكومات الوطنية التقليدية بمثابة بنى لسلطة الطبقات البورجوازية وبالتالي تنبغي إزالتها، حسب تلك الإيديولوجية، وبين ما يسميه بالأممية الليبرالية التي قال بها غيزيب مازيني، التي تدافع عن التعاون بين الدول - الأمم الديمقراطية، كوسيلة أساسية من أجل تحطيم هيمنة القوة القديمة للنظام السائد. ويرى المؤلف أن الأممية الأولى تتراجع أكثر فأكثر في عالم اليوم لمصلحة الأممية الثانية، الليبرالية.

يركز القسم الثاني من الكتاب، على تقديم نوع من تاريخ التضامن العالمي بين الأمم والشعوب.

ويرى المؤلف أن واشنطن بدأت تفقد بعض هيمنتها على منظمة الأمم، منذ سنوات الستينات في القرن الـ 20، مع تزايد عدد الدول "المستقلة"، الأمر الذي دفع أميركا للاهتمام أكثر فأكثر بموقعها حيال صندوق النقد الدولي والبنك الدولي. هكذا برزت منظومة جديدة للتعاون الدولي حول الحقوق الاقتصادية التي تنظمها "البنوك المركزية" والوزارات المتخصصة، تمهيداً لـ"سيطرة الأسواق"، على النشاط الاقتصادي العالمي.

أما ملامح العالم القائم اليوم، فتحددت بنهاية عصر السيطرة الغربية على الحياة الدولية، وبروز توازن عالمي على أساس تعددية الأقطاب.

 

 

 

 

الكتاب: إدارة العالم تاريخ فكرة

تأليف: مارك مازوير

الناشر: بنغوان برس لندن 2012

الصفحات: 304 صفحات

القطع: المتوسط

 

 

 

Governing the world

Mark Mazower

Penguin Press

London 2012

304 .P

طباعة Email
تعليقات

تعليقات