من هي كاترين دونوف؟

صورة

مدينة مرسيليا الواقعة على الشاطئ المتوسطي في جنوب فرنسا، هي أحد أكبر مرافئ البلاد، وهي مدينة تحتضن أعداداً كبيرة من المهاجرين القادمين خاصة من بلدان شمال إفريقيا العربية، التي كانت تحت الاحتلال الفرنسي. ثم هي مدينة يأتي الكثير لذكرها في مختلف وسائل الإعلام، وغالباً في سياق يتسم بـ"السلبية" من حيث ما يطلق حيالها من توصيفات.

هذه "السلبية" تتعمّق وتتعاظم عندما يكون موضوعها الأحياء الشمالية من المدينة.. وأولئك الذين لا يعرفون المدينة يتصورون وجود عصابات تمارس العنف المفرط في كل زاوية من زوايا شوارعها، ويعتقدون أن في جيوب كل طفل "سكيناً حادة" وأن الأحياء المعنية هي موقع لجميع أشكال التهريب والتجارة الممنوعة. هذه هي الملامح الرئيسية للصورة التي يرسمها دومينيك ريش، في كتابه الثاني، الذي يحمل عنوان "من هي كاترين دونوف"؟

الكتاب لا علاقة له أبداً بكاترين دونوف، الممثلة الفرنسية الشهيرة. ولكنه يخص بالتحديد، تجربة المؤلف- الأستاذ في إحدى المدارس الثانوية في حيّ فقير، في شمال مدينة مرسيليا. وعن الأسلوب التربوي البيداغوجي- الذي تبنّاه في تلقين المعارف لطلبته، بعيداً عن تلك المقولات التي ترددها الجامعات في المجال التربوي.

والكتاب ليس "شهادة حية" في اتجاه سلبي أو إيجابي عن ضواحي مدينة مرسيلسيا، وعن طريق تعليم التربية الوطنية في المدارس الفرنسية. ولكنه بالأحرى، عملية توصيف لواقع معاش وحكايات جرت وأشخاص حقيقيين "من لحم ودم". وهو أيضاً قبل أي شيء آخر، عرض لتجربة "أستاذ في ثانوية" عرف كيف يصل إلى أعماق طلاّبه.

المسلّمة التي ينطلق منها المؤلف، مفادها: "بالنسبة لأستاذ المدرسة المهم ليس امتلاك قدر كبير من المعارف، ولكن معرفته كيف يستطيع إدخالها إلى جماجم الآخرين".

فمثلاً "كريم"، أحد الطلبة، كان على وشك "الانفجار غضباً"، بسبب المضايقات التي كان يتعرّض لها منذ بداية الدرس. فما كان منه، وتفادياً لضربه، إلا أن خبط باب حجرة الدرس بقدمه. وكانت الضربة قوية إلى درجة أنها "اخترقت الباب وظلّت عالقة فيه". فما التصرّف؟

رد الفعل الأول الذي يقترحه المؤلف- المربي، هو العمل على "تخفيف التوتر"، عبر قول شيء يحتمل أن لا يتوقعه أحد، أو أن يقوم برد فعل لا علاقة له بالموقف كله. ويفيد المؤلف هنا بأنه يتوجب على المدرس هنا أن يتحدث "على البارد" مع الطالب المعني. ونقرأ: "كل سنة، تكتسي مسألة معرفة كيفية تعامل المربي مع تلامذته، بعداً أخاذاً". ويلفت إلى أن رؤية مهنة المربي بهذه الطريقة، تكتسب باستمرار "نكهة جديدة"، كثمرة تأمّل جديد.

وفي أحد فصول الكتاب، يصف المؤلف، عدداً من النماذج- الطلبة، الذين كان عليه تعليمهم. وهكذا يصادف القارئ "شخصيات"، مثل شارل الذي كان يقوم بـقص شعر زملائه، بين درسين.

 وكذلك "ناصر" الذي كان يلذّ له أن يمارس "هجوماً لفظياً" على أستاذه، من أعلى سطح بنايته، عند مروره. وأيضاً "نور الدين" الذي "لم يكن يتكلم أبداً لأنه لا يحب الكلام". هذه النماذج كلها، وغيرها، تتطلّب البحث عن وسائل يمكنها أن "تثير اهتمامهم، كمقدمة لدفعهم نحو ولوج دروب التعلّم.

ما يؤكده المؤلف هو أن أحياء "مرسيليا" الفقيرة الواقعة في شمال المدينة وعلى تخومها الشمالية، فيها العديد من طلبة المعاهد المتوسطة والمدارس الثانوية الذين يحاولون الحصول على مستوى من التعليم يسمح لهم تأمين مستقبلهم في المجتمع. وفي مقابل هؤلاء، هناك جيل من الأساتذة، ليسوا مثل أساتذة أبناء الأحياء الثرية، بل هم من جنس نادر أكثر وأكثر عناداً. إنه جنس أولئك الذين اختاروا التعليم في مدارس صعبة المراس. ولا شك أن مؤلف هذا الكتاب هو من بين هؤلاء.

 

 

 

 

 

الكتاب: من هي كاترين دونوف؟

تأليف: دومينيك ريش

الناشر: اوترومون باريس 2012

الصفحات: 186 صفحة

القطع: المتوسط

 

 

 

Cصest qui Catherine

Deneuve

Dominique Resch

Autrement - Paris- 2012

186 .P

طباعة Email
تعليقات

تعليقات