الجمال الفتّاك

  • الصورة :
  • الصورة :
صورة

لا يخفى على أحد، أن المجلات الموجّهة للمرأة والمكرّسة خاصة لجمالها، تمثل نسبة مهمة من المطبوعات الموجودة في "أكشاك" بيع الصحف والمجلات اليوم، في جميع أنحاء العالم. وهذا "التكريس" لمعايير جمالية، تطلق عليه الصحافية الفرنسية منى شوليه، تسمية "الجمال الفتّاك". ذلك كونه، برأيها، يرمي إلى "فرض نموذج موديل- للأنوثة"، يمارس نوعاً من استبداد المظهر الذي يمثل في عمقه، محركاً حقيقياً لصناعة مربحة، تحسب قيمة أعمالها ومبيعاتها، بعشرات المليارات من الدولارات.

إن المؤلفة تناقش في فصول الكتاب السبعة، مجموعة من الموضوعات ذات العلاقة المباشرة بـ"معايير الجمال المفروضة"، وآثارها على مختلف الأصعدة، الاقتصادية والاجتماعية والثقافية. وهكذا يجري التعرّض للمسائل المتعلقة بـ"فرض القامة الرشيقة- النحيفة"، كأحد المعايير، لتتساءل إذا كان هذا "تسامياً كقيمة الجسد أم كرهاً له"؟

وتركز المؤلفة، من خلال عملية تفحص دقيقة لما تحتوي عليه "الصحافة النسائية" و"الخطابات الإعلانية" و"المسلسلات التلفزيونية" و"شهادات عارضات الأزياء"، على أن منطق الجذب الأنثوي دخل في قلب العالم الثقافي. وبهذا المعنى، أصبح جسد المرأة مدعواً كي يتحول إلى مجرد سلعة، وإلى الاستجابة أكثر فأكثر، لمعايير الموضة والجمال المفروضة.

 ذلك من أجل غاية واحدة هي أن يكون وسيلة أفضل لبيع أكثر من منتجات مصانع الجمال.وتشير المؤلفة في مقدمة الكتاب، إلى أن كُثراً اعترضوا على فكرة "استبداد المظهر". وتحدد المشكلة بالقول إنه لا معنى في الواقع، للقول لمريض على حافة الموت، بسبب التدخين، إنه لا ضرر من تدخين لفافة تبغ، بين وقت وآخر.

وعلى المعيار نفسه، ترى أن هناك فرقاً كبيراً بين رغبة اكتساب مسحة من الجمال "مرغوبة"، وبين الانصياع لأوهام الإعلانات، التي تبيع بدورها، أوهام الجمال. وتشرح منى شوليه، على مدى فصل كامل، ما تسميه الثنائية التقليدية، المتمثلة في الربط بين الرجل والفكر والنظرة الثاقبة والعمل السياسي والعالم الخارجي والشؤون العامة، من جهة، والربط بين المرأة والجسد والزينة والمجال الخاص، من جهة أخرى. وهذه الثنائية غدت موضع تساؤل وتشكيك، خلال سنوات السبعينيات من القرن الفائت، بعد ما عُرف في فرنسا، بـ"ثورة الطلبة"، عام 1961.

ولكن جرت عملية "إعادة صياغة" للوضع السابق، إذ مورس على النساء، ضغط جعلهن يقبلن واقع أن قيمتهن الأساسية ترتبط بمظهرهن. وتشير المؤلفة في السياق، إلى أن تربية الفتيات الصغيرات، تشكل في واقع الأمر، نوعاً من التحضير للدخول في دورة المعايير الجمالية، القائمة على المظهر.

وتشرح منى شوليه، على مدى العديد من صفحات هذا الكتاب، كيف أن المرأة في المجتمعات الغربية والاستهلاكية، قبلت تقليص موقعها الأساسي إلى مظهرها. من هنا بالتحديد تطور مفهوم أن عالم الجمال والموضة هو العالم الوحيد الذي يتم النظر إليه بجدية، من زاوية كونه معبّراً عن الثقافة النسائية.

وتبين هنا، أن الشعارات التي ترفعها الحركات النسائية، تخفي وراءها "نزعة فردية استهلاكية"، موضحة أن الاهتمام النسائي المفرط بالمظهر وبالجمال، ولّد علاقات وثيقة بعالم الأشياء وعالم التفاصيل وعالم الاستهلاك.

أما الجزء الأساسي من الكتاب، فهو مكرّس للكشف عن مظاهر الاغتراب المتعددة. والمظهر الأول الذي يتم التركيز عليه، يتعلّق بدور الانترنت في إنتاج ما تطلق عليه المؤلفة، تسمية "الاغتراب التشاركي"، أي ما يعني مساهمة التجديد الرقمي، في نوع من "الانحراف بالنسبة للثقافة الجماهيرية". ومن أبرز وجوه هذا الانحراف: "وسواس النحافة"، "اللجوء إلى جراحات التجميل".. وغير ذلك من "تقنيات التجميل". وليست قليلة هي "وصفات الانترنت"، وبالطبع في وسائل الإعلام المكتوبة، التي تخص العلاقة مع الطعام ومع الممارسات الرياضية.

هذا كله له "ترجمته" على صعيد العادات الاستهلاكية. وفي مجمل التحليلات التي تقدمها المؤلفة في صفحات الكتاب، في ما يخص أشكال الاغتراب الذي تعيشه المرأة في المجتمعات الغربية الاستهلاكية، تؤكد على أن الفترة الراهنة تميل إلى فرض "نماذج استهلاكية" للتعامل مع المرأة كـ"موضوع" له دور في "تحفيز الاستهلاك". وهذا ينجم عنه "تغييب" حقيقي بأشكال مختلفة، لإمكانية أن تكون المرأة امرأة، في العالم الثقافي السائد في المجتمعات المعاصرة.

وتكتب المؤلفة: "إن نتائج هذا الاغتراب لا تقتصر على ضياع الوقت والمال والطاقة. والخوف من عدم نيل الإعجاب، أو عدم الاستجابة لما هو منتظر، أمور تتم ترجمتها بالوقت نفسه، في الإحساس بعدم الأمن النفسي والإحساس، بالتعليل الذاتي للقيمة وماله من آثار في جميع ميادين حياة النساء".

 

 

 

 

الكتاب: الجمال الفتّاك

تأليف: منى شوليه

الناشر: زون باريس 2012

الصفحات: 237 صفحة

القطع: المتوسط

 

 

 

Beauté fatale

Mona Chollet

Zones - Paris- 2012

237 .P

طباعة Email
تعليقات

تعليقات