محبة القرن الحادي والعشرين

  • الصورة :
  • الصورة :
صورة

يطرح الصحافي الفرنسي، جان لويس سرفان شرايبر، في هذا الكتاب الجديد، رؤية أكثر تفاؤلا للعالم الذي نعيش فيه نحن وأطفالنا. ويشير منذ البداية الى أن هذا التحوّل يعود إلى تغيّر في النظرة. فبعد أن كان كل شيء، يبدو إشكاليا، بل وغير قابل للحل، خلال العقد المنصرم، ويحاول أن يبرهن أن توسيع أفق الرؤية، مع أخذ بعض المسافة التاريخية، يمكن لأسباب التفاؤل أن تتفوّق على قلق التشاؤم.

ويشرح المؤلف أنه إذا كان القرن الحادي والعشرون يبدو بالأحرى مثيرا للقلق، فإنه من واجبنا أن نعمل بطريقة نحبط فيها واقع التشاؤم المحيط بنا. والخطوة الأولى في هذا المسار (المولّد للتفاؤل)، تحدد ب: ضرورة فهم ما هو بصدد التغيّر اليوم.

فمثلا كانت مسألة الدفاع عن البيئة ضد كل أشكال التلوث ليست مهمة، في نهاية القرن الماضي، العشرين، سوى لمجموعات صغيرة. أما اليوم فغدت في صميم كل منظور ذي بعد مستقبلي. ومن الميزات الأساسية التي ترسم ملامح حياة البشر اليوم، هيمنة ما هو نتاج الثورة الرقمية في جميع الميادين. ويحدد المؤلف القول ان البشر يعيشون نوعا من الانبهار بكل ما هو جديد وكل ما هو جميل. وكذلك رقمي يمتلك قوة جذب جامحة من الصعب مقاومتها. ومن العسير، هذا إذا لم يكن من المستحيل، الاستغناء عن "الرقمي" في الحياة اليومية.

لكن هذا لا يمنع واقع أن فهما جديدا أخذ يتشكّل ويتمثّل في إدراك ضرورة أخذ مسافة ما عن العالم الرقمي، من أجل الاستمرار بالاستفادة منه، من دون الوقوع في الاستسلام له. ويشدد شرايبر على أن تغذية مثل هذا الإدراك، أحد أهداف كتابه. كما أن التفحّص الدقيق للحقبة الراهنة، يجعلها تبدو أقل إثارة للقلق، من ما هو شائع عنها. يضاف إلى هذا سبب آخر، وهو إيمان المؤلف بـقدرة بني البشر، على متابعة مسيرة تقدمهم، نحو قدر أكثر من الإنسانية.

وبعد الإشارة إلى أن "غيوما كثيفة تغطي سماءنا"، يجهد المؤلف من أجل تقديم البراهين على أن مثل هذا النوع من الإحساس، يعود بالأحرى، إلى "النظرة التاريخية القصيرة للزمن". ويخلص في هذا السياق إلى القول ان "جميع الآمال لا تزال واردة، إذا عرفنا كيف نجمع بين نفاذ البصيرة والتفاؤل". ويؤكد أن البشر يعيشون في هذا القرن الحادي والعشرين، على إيقاع سرعة متزايدة، مع الإحساس بأنهم يحتاجون دائما إلى شيء من الوقت، وبالتالي يعانون غالبا من القلق، وهم مسحورون بكل ما هو رقمي، إذ يمضون ساعات طويلة "مسمّرين" أمام شاشات التلفزيون. وكل شيء يعيش على إيقاع التبدّل في مجال العمل والتنقّل، وحتى على صعيد العلاقات العاطفية.

ويتساءل المؤلف:" ماذا إذا كنا نعيش "حالة نهضة جديدة"، مثّلتها فترة مضطربة زاخرة بالشكوك، ولكنها بالوقت نفسه، غنيّة بالإبداعات وبالحريات الجديدة؟ ".

ويجيب مبينا أن المطلوب إيجاد معنى وسط الزوبعة، واستعادة قسمة من الوقت للعيش حسب الإيقاع الطبيعي، في خضم حالة طوارئ عامة ومعممة. ويرى أن هذا كله، ربما لا يزال ممكنا إذا أعدنا اكتشاف فلسفة للحياة تسترشد بالحكمة.

ويجد أن هذه الإمكانية تمتلك جذورها في واقع الاختلاف الكبير بين هذا القرن الحادي والعشرين الذي يعلن عن لون مختلف، بالقياس إلى القرن الماضي، الذي انغمس أكثر فأكثر في التاريخ، وعرف حربين كونيتين. ويبين المؤلف انه من سمات فترة الشك، التي يعيشها البشر اليوم، أنها ليست من نتاج القرن الحادي والعشرين، وليست من اختراعه، بل لها جذورها في مضمون لقاء الإنسان والسرعة.

ومن ما يردده المؤلف، ان القرون تتالى، ولكنها لا تتشابه. وهو يقوم بعملية توصيف للقرن الراهن من أجل فهمه بشكل أفضل، مؤكدا أنه يثير الخوف كون القيم المؤسسة للقرون الماضية، هي موضع الشك في الغرب عامة. وبالتالي على الإنسان الحديث أن يضع مضامين أخرى لحياته، حيث ن الانترنت ووسائل التواصل الرقمي، أخذت تدريجيا، مكان العلاقات الإنسانية، التي أصبحت أكثر تباعدا، وغدت تعتمد بالأحرى على الكم، وليس النوع.

وشبكات التواصل الاجتماعي تطوّرت فشكّلت تعويضا عن الحس الاجتماعي. وغدا أكثر شيء يحتاجه الإنسان هو الوقت. والاختراعات الحديثة التي يُفترض منها أن توفر هذا الوقت، اخترعت آلة ثورية، ذات شاشة صغيرة، أنهت حلم امتلاك الوقت. وعلى قاعدة فهم هذا كله، يمكن للإنسان أن يجد، مع ذلك، الأسباب التي تدعو إلى محبة القرن الحادي والعشرين.

 

 

 

 

الكتاب: محبة القرن الحادي والعشرين

تأليف: جان لويس سرفان شرايبر

الناشر: البان ميشيل باريس 2012

الصفحات: 144 صفحة

القطع: المتوسط

 

 

 

Aimer le XXIe siècle

Jean Louis Servan Schreiber

Albin Michel- Paris- 2012

144 .P

طباعة Email
تعليقات

تعليقات