عرفت رفوف المكتبات، في مختلف أنحاء العالم، كمّا كبيرا من الكتب التي جعلت من الصين موضوعا لها. والعديد من المؤلفين وضعوا كهدف أول لهم، تقديم صورة للصين الحديثة، التي تعرف منذ ثلاثة عقود، نموا اقتصاديا كبيرا يجعل منها أحد الدول الصاعدة بجدارة. ويكرس الصحافي البريطاني، جوناتان فينبي، المتخصص بالشأن الصيني، والذي قدّم ستة أعمال موضوعها الصين، عمله الأخير عن الصين، ويحدد هدفه بالرد على السجالات التي تتردد وتصل إلى نتائج متناقضة تماما بأن الصين ستحكم العالم، أو أنها ستتفجّر، كما يشير في المقدّمة.
يحوز عنوان الكتاب"رأس فهد وذنب أفعى" دلالات جمة. وهو مستوحى من تعبير صيني شائع يمكن استخدامه للدلالة على المفارقة بين الوجه، الذي تقوم فيه الصين بجذب الآخرين واحتلال صدارة أخبار وسائل الإعلام، وبين الواقع القائم على الأرض "المصاب بشروخ". ويبين المؤلف أنه في الوجه المشرق للصين، حاليا، هناك بالطبع النمو الاقتصادي الهائل، وإنقاذ ما يزيد عن 400 مليون صيني، من براثن الفقر.
واما في ما يخص الوجه المظلم، فهناك القهر الاجتماعي وغياب العدالة ونقص احترام حقوق الإنسان. ويقدّم جوناتان فينبي، عددا كبيرا من الأمثلة على تفشّي الفساد ونقص الفعالية وغياب العدالة وتخريب البيئة، وغير ذلك من المثالب والسلبيات، التي تشكل ممارسات شائعة في الصين، في الوقت الحالي.
يكم جوهر الأطروحة التي يقدمها المؤلف من أجل إمكانية النجاح في فهم الصين، بتوضيح حقيقة أن طبيعة النظام القائم في البلاد، بكلّيته، تختلف عن مجموع مكوناته. ويقول:"كل شيء في الصين يرتبط بالباقي بطريقة غير موجودة، في أي مكان آخر من العالم". ويؤكد أن الحزب الشيوعي الصيني الحاكم، يتغلغل عميقا في جميع الأوساط والشرائح الاجتماعية. والنتيجة المباشرة لمثل هذا التغلغل، شيوع نمطية محددة من السلوك، ما يجعل الانضواء في إطارها، شرطا لا بدّ منه، من أجل القيام بأي تغيير كبير في كل قطاع من قطاعات المجتمع. والحزب يقوم في هذا المعنى، بنوع من "إدارة المجتمع" .
ويلفت فينبي إلى أنه، وفي جميع الحالات، فإن الحزب الشيوعي الصيني، يعتمد بشكل كبير على العلاقات الشخصية وتبادل المعلومات ونقل المعارف، بواسطة المنتسبين إليه. ولكنه يعتمد أيضا على المحافظة على الشرخ القائم والواضح، بين من هم في داخل الحزب ومن هم خارجه.
كما ان أعضاءه يعملون دائما على صيانة النظام القائم، للمحافظة على مصالحهم، باعتبارهم من أصحاب الامتيازات باسم انتمائهم الإيديولوجي.
ويتلخص محور التوصيف الذي يقدّمه المؤلف للصين، في أنها، فريدة كما هي متنوعة؛ وهو يعيد هذه السمة تحديدا، وبدرجة كبيرة، إلى إرادة قيادتها السياسية. ويشير إلى أن فهم الصين الحديثة، يقتضي بالضرورة، العودة إلى التاريخ.
ولكن أيضا فهم المشهد عبر موقعه في الإطار الكبير. وذلك بعيدا عن الأفكار السهلة المتداولة، على أساس أنه متفق عليها، بالنسبة للصين. ومن تلك الأفكار المقولة الشائعة عن الصين، التي تفيد بأنها "حضارة ـ دولة". والمقصود عبر ذلك، التأكيد على فكرة جوهرها أن الصين تمثّل هوية تاريخية أكثر عمقا ورسوخا من الهويات التي تمثلها الدول ـ الأمم حديثة العهد .
وكذلك الحديث عن مفهوم الرجل العظيم، الذي رافق تاريخ الصين الحديثة. ويتطرق المؤلف في هذا الصدد، إلى الدور المركزي الذي لعبه ماوتسي تونغ، في مواجهة الكوارث والأزمات التي واجهتها البلاد. وفي القوت نفسه، تركيزه على تهميش، أو على بدرجة ما، التقليل من، دور رفاقه. كما أنه، وبعد ماو، قدم دينغ هسياو بينغ على أنه الرائي الذي عرف كيف يتراجع في الوقت المناسب.
ونجد في الكتاب، ومن خلال ماهية محاوره، وبفضل طابعه المنهجي، نمط بحث تفصيلي شامل، يجمع فيه المؤلف، بين مجمل تاريخ الصين ومختلف عناصرها ومكوّناتها وخصوصياتها، ذلك كي يقدّم الى القارئ، صورة منسجمة عن هذه البلاد الصاعدة، ويشرح سبب أهميتها بالنسبة للعالم أجمع.
الكتاب: رأس فهد وذنب أفعى
تأليف: جوناتان فينبي
الناشر: سيمون وشستر لندن 2012
الصفحات: 464 صفحة
القطع: المتوسط
Tigre head, snake tails
Jonathan Fenby
Simon and Schuster- London- 2012
464 .p
