في إطار سلسلة تحمل عنوان "قاموس عاشق لـ..."، التي حظيت بشهرة كبيرة في فرنسا، وتجاوز عدد "قواميسها العاشقة"، المائة، صدر قبل فترة قصيرة، عمل جديد يحمل عنوان "قاموس عاشق للموسيقى". لمؤلفه، اندريه توبوف، أستاذ للفلسفة على مدى أكثر من ثلاثة عقود، ومن أصحاب الأقلام الشهيرة في عالم الموسيقى والنقد الموسيقي، في فرنسا، حاليا.
يصف المؤلف هذا العمل أنه "ثمرة حياة كاملة" .. حياة من الاستماع والهوى الموسيقي.هذا خاصّة أنه عاش في محيط عائلي مشرّب بحب الموسيقى، فجميع أفـــراد الأســرة كانوا من جهة أمّه،كما يشير، يمارسون الغناء أو العزف على البيانو أو التردد على الأوبرا. ومن جهـــة والده، كان هناك اثنان من الأسرة يحترفون مهنة الموسيقى. ويحوز الكتاب ـ القاموس ـ الدليل الذي يقدمه اندرـــيه توبـــوف الذي تعلّـــم.
كما يقول، فن الاستماع من أجل متعته، أهميّة خاصّة من حيث تنوّع وشمولية المعلومات الموسيقية التي يقدمها. وهو يحاول( المؤلف) في هذا العمل، أن يشارك الآخرين بما عرفه، وما يمكن أن يسمح لفهم أكبر لأعمال موسيقيين كبار، أحبّ مؤلفاتهم كثيرا، وليس أقلّهم عبقرية موسيقية موزارت وشوبير وباخ، ولكن أيضا فيردي وفاغنر وغيرهم. ويؤكّد المؤلف أنه لا ينطلق في اختيار مداخل قامـــوسه، من موقع الهواية، وهو يحدد نفسه كـ "هاوٍ مزمن" للموسيقى. ولكن من موقع الحب والوفاء للموسيقى، مشددا على أن عمله هو نتاج "حياة كاملة من الاستماع".
ويلفت أيضا، إلى أنه لا ينظر أبدا الى الموسيقى من موقع أفلاطـــوني يخلط بين الجميل والحقيقـــي، ولكــــن من موقـــع هيغلي ـ نسبة إلى الفيلســـوف الألماني هيغل ـ يرى في ذلك الخلط، مهما كــــان بارعا ، تناسيا للبعد الإنساني.
يتضمن الكتاب مداخل خاصّة بالموسيقيين الكبار والمهتمين بعالمها ومفاهيمها ولغتها الخاصّة. وهكذا يبدو اللحن فيه، بمثابة وقت قصير من الزمن يغدو معلّقا.فمن جهة يجعلنا نقف معه، ومن جهة أخرى يحملنا إلى عالمه. ويبين مؤلفه أن "التنهّد" في الموسيقى، الأصغر والمهمل ظاهريا، إنما هو وقفة موسيقية في المدى الصوتي. (...). ويمكن أن يدل على كل شيء سوى على أنه لا معنى له. وعلى أساس :الأشياء الصغيرة ـ الكبيرة في عالم الموسيقى، يرى المؤلف أن إعداد قاموس عنها يحتاج إلى قدر أكبر من الحب المطلوب في جميع القواميس.
وهكذا نقرأ عن سبايتيان باخ: "باخ..لا بدّ من التحذير أوّلا بأول. إن الاستماع إلى باخ ليس أمرا يتصف باللامبالاة، وليس فعلا لا مباليا. وليس هناك أي موسيقي، وربما ليس هناك أي مبدع، يثير البلبلة بالمقدار الذي يثيره باخ. له ما يقتنع به وهو يملك القدرة على الإقناع وعلى جرّ الآخرين وراءه. فإذا كان يخيفكم الذهاب حيث يذهب هذا النهر المتدفق، هذا النيل المعطاء ولكن الشلاّل الهادر أيضا، فعليكم أن تبقوا على حافّة النهر،ولا تستمعوا لموسيقى باخ سوى من أجل الشكل...". ولا يتــردد المؤلف فـــي القـــول أن "باخ لا يقـــدّم موسيقـــى مقدّســـة بل إن موسيقاه تثير البلبلة".
ورغم الموضوعية التي تتطلبها كتابة القواميس، إلا ان مؤلف الكتاب ـ القاموس، يتسم بقدر كبير من الذاتية ، الأمر الذي لا يلغي واقع أنه يلعب دور الذاكرة الموسيقية الأوروبية. وبذا جاء عمله كنوع من مذكرات خاصة به، عن مساره الموسيقي، وكعرض لأهم أعمال المبدعين الموسيقيين الأوروبيين منذ بدايات الموسيقى الكلاسيكية حتى الوقت الحالي .
ونتبين بجلاء، ان الكتاب، يشكّل بمجمله، نوعا من التأمّل بكثير من الحساسية، حول الموسيقى .ولعل من أكبر ميزاته أن مؤلفه يسمّي الأمور باسمائها، من دون محاولة المحاباة . ومثل جميع "العاشقيـــن"، يتحدث في عالم الموسيقى، عن: الفرح، الكآبة"، الإحساس بالقطيعة، الشعور باللقاء.
الكتاب: قاموس عاشق للموسيقى
تأليف: اندريه توبوف
الناشر: بلون - باريس- 2012
الصفحات: 694 صفحة
القطع: المتوسط
Dictionnaire Amoureux de la musique
André Tubeuf
Plon - Paris- 2012
P.694

