يتفق المـــؤرخون على القول ان القارّة الأوروبية شهدت مرحلة من النمو والازدهار الاقتصادي، لا سابق لها، خلال الفترة الواقعة، بين القرن الحادي عشر والقرن الثالث عشر.كما تتفق الآراء عامّة، على التأكيد أنه في تلك الحقبة، ارتسمت ملامح الأرياف الأوروبية بالصورة التي لا تزال قائمة عليها، إلى حد كبير، حتى المرحلة الراهنة. وفي كتاب يحمل عنوان "زمن العاملين"، يبين المؤرخ والأستاذ الجامعي الفرنسي ماتيو ارنو، أن الفضل الأكـــبر في ذلك النهوض يعود أوّلا وأساسا إلى الفلاحين، وغيرهــم من العامليـــن، أكثر مـــا يعــــود إلى الفرسان والسادة، الذين كانـــوا يشكلـــون الطبقــــات الاجتماعيـــة العليا.

ويركّز المؤلف ـ المؤرخ، في تحليلاته، على شرح الظروف والآليات الاجتماعية والاقتصادية التي رافقت ذلك المسار التنموي الكبير. ويصل إلى نتيجة أساسية مفادها أن الفلاحين والعاملين في الأرياف، لم يكونـــوا آنذاك، مجرد يد عاملة تشتغل لدى السادة الإقطاعيين، ولكنهم كانوا، عناصر فاعلة في عملية التحول التي أرادوها، وسحبوا منها الكثير من المكاسب.

تتمثل الأطــروحة الأساسيـــة والجديدة في الكتاب، في اعتبار العاملين والكادحين في الأرياف، المحرّك الرئيسي للنمو الاقتصادي في القارّة الأوروبية، خلال الفترة الواقعة بين القرنين: الحادي عشر والثالث عشر،كما يشير العنوان الفرعي للكتاب. والتأكيد في السياق نفسه، على أن مجتمع العصر الوسيط في القارّة القديمة، اعترف لهم بذلك، وكافأهم عليه.

وعلى النقيض من الأطروحة القائلة ان زيادة كميّة العمل، هي بمثابة جواب طبيعي لعوامل يتم فرضها من الخارج، بما في ذلك ممارسة الضغط المالي والعنف، يردّ المؤلف : "إن ما يتم اقتراحه هنا ـ في الكتاب ـ أن زيادة عروض العمل تنتج عن قرار طوعي،إرادي وجماعي، من قبل أصحاب الفعاليات من العاملين، وحيث يمكن إعادة رسم المسار الذي يتم انتهاجه وتحديد الدوافع الكامنة وراء ذلك".

ويبين المؤلف، أن هذه الفرضية، طرحت سابقاً، تحت تسمية " الثورة شبه الصناعية"، مثل تلك التي تحقق على أساسها تطوّر اليابان في عصر سلالة "ميجي". وكذلك تمّ الاعتماد عليها للحديث عن النمو الاقتصادي في الحقبة السابقة للثورة الصناعية الكبرى، اعتبارا من القرن الثامن عشر.

والتي بلغت إحدى ذراها في القرن التاسع عشر، ثم في العشرين. وعبر الاستفادة من هاتين التجربتين، يشرح المؤلف كيف أن ازدهار الغرب في العصور الوسطى، كان قبل كل شيء، بفعل زيادة عدد وكثافة عمل الفلاحين.

ويلاحظ المؤلف، أنه عندما نتحدث عن العصور الوسطى في أوروبا، تقفز مباشرة إلى الواجهة، صور قادة كثر، مثل: كلوفيس، شارلمان، تاميرلان، وغيرهم. وبالمقابل، لا يكاد يذكر أولئك الكادحين الذين كانوا يشكلون "جيشا من العاملين بمحاريثهم "، في الأرياف، وكانت مساهماتهم ذات قيمة نوعية في تطور أوروبا، خلال تلك الفترة.

ولجأت مجموعات من الفلاحين، إلى عملية إعداد منظومات لتوزيع الأراضي الزراعية. وكذلك القيام بعمليات رقابة جماعية على المحاصيل، على غرار نظام كان قائما في بريطانيا. وكانت تجمع مبالغ مالية محددة من الفلاحين، لتوجيهها نحو مساعدة الأكثر هشاشة من بين سكان الأرياف.

ويؤكد المؤلف أن الفلاحين والعاملين في الأرياف، بكل فئاتهم، وجدوا في القيم المسيحية ما يدفع إلى العمل، وقبول ما يرافقه من "ألم وعـــرق وفقر".

ويرى في الاستقرار الذي عرفه المجتمع الإقطاعي الشائع في القرون الوسطى، وفي الدينامية الاقتصاديــة الأوروبيـــة التي تلازمت معه، ركيزتان قبل بهما مجتمع الفلاحين، على أساس أنهما تستجيبان للنموذج -الموديل الإيديولوجي الذي يريده .

وإذا كان الفلاحون قد وجـــدوا أنفسهم في مرتبة دونية، بالقياس إلى رجال الكنيسة وإلى طبقة الفرسان، فإن ماتيو ارنو، يقدّم العديد من الشواهد المأخوذة، خاصّة من نصوص أدبية، تدل بوضوح على أن المكانة المتقهقرة، التي كانت تحدد الموقع الاجتماعـــي للعاملين عموما.

وجدت ما يقابلها في الاتجاه المعاكس، اعتبارا من القرن الثالث عشر، إذ أصبح الكادح والفلاح الحر ومـــالك أداة عمله ومن يساهم في تأمين تغذية المجتمـــع، في مصـــاف الأبطال.. وبهذا المعنى، جرى نوع من تحوّل مكانة سكان الأرياف في أوروبا، خلال القرون الوسطى، إلى طبقة اجتماعيـــة تحظـــى بالاعتـــراف الاجتماعـــي. ويشــرح المؤلف أن تلك الترقية، لم تكن ذات طبيعة رمزية فحسب، بل كانـــت هناك تعويضات مادية ملموسة.

 

 

الكتاب: زمن العاملين..العمل والمنظومة الاجتماعية والنمو في أوروبا من القرن11 حتى القرن 14

تأليف: ماتيو ارنو

الناشر: البان ميشيل - باريس- 2012

الصفحات: 374 صفحة

القطع: المتوسط

 

Le temps des laboureurs

Mathieu Arnoux

Albin Michel - Paris- 2012

374 .p