لم يعد يتردد الحديث، حاليا، كما يرى بعض المتخصصين، حول أزمة ما بعد سلسلة من الأزمات، أو عن أزمة تحضّر لنشوب أزمة أخرى . إذ تراجع ذلك، في مقابل بروز الحديث عن الأزمة مع أل التعريف.
وذلك على أساس وجود أزمة شاملة تصيب الاقتصاد والمال، كما التربية والثقافة والأسرة والبيئة ومتلف جوانب الحياة. إنها "الأزمة بلا نهاية" كما جاء في عنوان كتاب الأستاذة الجامعية الفرنسية والباحثة الفلسفية، مريام ريفو داللون، الذي تدرس فيه "التجربة الحديثة للزمن".
إذ تشرح أن هناك تغيرا جوهريا في مفهوم الأزمة نفسه. لقد كانت تعني في بداياتها اليونانية القديمة، وحتى فترة قريبة من الزمن، نوعا من اللحظة الحاسمة التي تسمح بالوصول إلى تشخيص.وبالتالي للخروج من عملية تطّور في أوضاع ينقصها الثبات والاستقرار.
وكان استخدامها الأول لدى اليونانيين القدماء، في ميدان الطب، للدلالة على اللحظة الفاصلة في مسار المرض إذ يكون الخيار هو بين الحياة والموت. والمطلوب في مثل ذلك الوضع، اتخاذ قرار بين إذا كان ينبغي الإقدام أو الإحجام، وبين ما هو صح وما هو خاطئ.
وتبين مريام ريفو داللون، أيضا، أن كلمتي أزمة:(crise)، ونقد ( critique )، لهما أصل واحد . وذلك أنها عنت منذ البداية، القيام بنوع من الاختيار ثمّ اتخاذ القرار. ولكن تلفت إلى أن الأمر تغيّر تماما، حاليا.
فكل شيء يجرى على خلفية التفكير في أن الأزمة أصبحت حالة مستمرّة و مستدامة، يبدو في الأفق أي مخرج لها .. وكذا أصبحت الأزمة أكثر من مفهوم، فباتت لا تعني فقط، مجرّد واقع موضوعي ما، ولكن تجربة معاشة.
وتحدد المؤلفة القول انها بهذا المعنى، تشكّل تعبيرا عن الصعوبة التي يواجهها الإنسان المعاصر، في ما يتعلّق بتوجهه نحو المستقبل وباتجاه الحداثة. وفي الوقت نفسه، صعوبة تحديد موقعه من الماضي ومن المقولات السائدة حول فهم العالم. وتصل المؤلفة في تحليلاتها إلى القـــول ان الإنســـان يعيش اليوم في عالم مشوّش الملامـــح وتزدهر فيه عدّة توجهات، مثل فكرة الأزمنة الجديدة والقناعة بإمكانيـــة التقـــدّم" وذهنيـــة الفتح.
وتوضح مريام ريفو داللون، أنه خلال القرن الماضي ،العشرين، وبفعل الجرائم الكبرى التي عرفتها الإنسانية خلال حربين كونيتين، وجراء قوّة التدمير والتخريب التي ولّدتها التكنولوجيا الحديثة، اهتزت القناعات بإمكانية تقدّم إنساني شامل، رغم أشكال التقدّم التي حققت في العديد من المجالات، مثل الصحّة والتربية وتحسين المستوى المادي لعيش شرائح واسعة. وأمّا النتيجة الأكثر عمقا فتحددها بان الزمن لم يعد يحمل الوعود بأي شيء . ذلك أن الإنسان لم يعد يملك التحكّم بمساره المستقبلي.
. كما فقدت السياسة قدرتها على المبادرة. وعلى أساس مثل هذا الوضع، لم تعد الأزمة مجرّد وقفة لا بدّ منها، من أجل الانطلاق نحو مستقبل أفضل، ولكن بالأحرى أصبحت حالة دائمة. بتعبير آخر غدت "الأزمة بلا نهاية"، كما يقول عنوان الكتاب. وهذه الأزمة لم تعد مرتبطة بالقرار، لكن بغياب إمكانية القرار .هذا في إطار عدم معرفة كيفية الخروج من الأزمة الشاملة القائمة.
وتحذر المؤلفة في هذا الصدد، من الرضوخ لمقولة الكارثة التي لا يمكن تجنّبها . وذلك على قاعدة القناعة بأن كل شيء تخرّب، وليس هناك ما يمكن تأمّله. وتشدد المؤلفة على أنها لا تريد القول بانه ليس هناك أزمة اقتصادية، أو نفي واقع أن البشر يعيشون اليوم حالة من القلق.
بل هي تعلن عن اعتقادها بأن الحديث عن الأزمة كمفهوم، لا يشمل كل شيء، إنّما يعني تغذية خطاب يبشّر بالكارثة والانحطاط، ويدلّ على عجز فكري يقصر فهم العالم على بعده الاقتصادي . إلى جانب الرفض القاطع لمقولة ان سلوك البشر محكوم فقط بالبحث عن مصلحته الماديّة.
كما تركز تحليلات المؤلفة، على خلاصة مفادها أن "الأزمة بلا نهاية"، فهذه الازمة التي يمر بها العالم، تتجاوز كثيرا الإطار الاقتصادي.إنها أزمة مرجعيات وأزمة معايير وأزمة هويّة. تستنتج أن الأبعاد الثلاثة للأزمة، موهت خلال القرنين المنصرمين، عبر فكرة التقدّم .
أمّا اليوم فالبشر يعيشونها من دون أي قناع. وتلفت إلى انه، وبدلا من توقّع الكارثة كقناعة ثابتة، من الأجدى مواجهة التشوّش وعدم فقدان قدرة التحرّك، وبالأخص قدرة التجديد.
الكتاب: الأزمة بلا نهايـــة..دراسة حول التجربة الحديثة للزمن
تأليف: مريام ريفو داللون
الناشر: سويل - باريس- 2012
الصفحات: 208 صفحات
القطع : المتوسط
La crise sans fin
Myriam Rivault DصAllon
Seuil- Paris- 2012
208 .p

