عاصرت الصحافية الأميركية، جو توكمان، تلك الفترة الدقيقة من تاريخ المكسيك، تحديدا في عام 2000، عندما عرف الحزب الثوري المؤسساتي المكسيكي، الهزيمة في الانتخابات الرئاسية لصالح حزب العمل الوطني . وجرى ذلك الانتقال للسلطة بعد 71 عاما من سيطرة الحزب الثوري..

وهكذا تقدم الصحافية جو توكمان، التي تعرف المكسيك عن قرب، ولديها علاقات وثيقة مع العديد من مصادر المعلومات في دوائر الدولة العليا، كتابا عن ما تسميه " الديمقراطية المعطّلة" في مكسيكو، كما جاء في عنوانه. وهي تشرح فيه التحديات التي تواجهها الديمقراطية الفتيّة في المكسيك، والتي استمرّت واقعيا، طوال 12 سنة، منذ انتخابات عام 2000، ولكنها ظلّت هشّة ولم يصلب عودها .

وتولي المؤلفة اهتمامها، بشكل خاص، لثلاثة ملفات تتعلّق بـ : العالم الرهيب لحروب تجارة المخدرات، الاستراتيجيات غير المنتجة للحكومات المكسيكية. وكـذلك تتحدث عـــن ما يتعلّق بـ "السياســـات الأميركية وآثـــارها على توجهات المكسيك" . وتوصف أيضا، واقع "التردد وعدم الفعالية"، الذي يسيطر لدى الساسة المكسيكيين في التصدّي الجـــدي لحالة الفساد المعمم، وتردي البيئة والفـــوارق الحــادّة بين مكونات المجتمع.

وتحدد جــو عاملا إضافيا أساسيا، يزيد من خطورة الأوضاع ، يتمثل بنفوذ جماعات المصالح، الذي تعاظم كثيرا في السنوات الأخيرة، ما أدّى إلى اهتـــزاز الثقة بجميع المؤسسات الرسميــــة وكذلك بالكنيسة الكاثوليكية. وتشيــــر إلى أن هذه المظاهر كلّها، تعززت في ظل حكم الحزب الثوري المؤسساتي، الذي عاد الى السلطة قبل أشهـــر قليلة. وتشرح المؤلفة أن هذا الحزب، الذي قاد البـــلاد خلال سنوات 1929 ـ 2000، اعتمد باستمرار، على مفهوم الزبائـــن في العمل السياسي، وعلى إجراء انتخابات شكليــــة، ومعـــروفة النتائج مسبقا.

وإذا كانت المؤلفة ترسم صورة "تبعث للقلق"، من عودة الحزب القديم إلى إدارة البلاد، بعد (استراحة ديمقراطية)، فإنها ترى بالمقابل، مؤشرات عديدة، ذات طبيعة إيجابية. ومن بينها: صعوبة فرض الرقابة من جديد على وسائل الإعلام النقدية، تشكّل مجموعات صغيرة من المواطنين تمتلك قدرا كبيرا من التصميم على ممارسة دور "رقابي" على أداء السلطات العامّة.

وتوضح المؤلفة، أن عودة الحزب الثوري المؤسساتي، تدل على ما هو أبعد من قدرة تنظيم سياسي أسطوري على البقاء والمقاومة والاستمرار، وعلى حسّه العملي؛ فهي تدلّ أيضا، على إرادة المكسيكيين في التسامح. وذلك في إطار دورتين انتخابيتين مخيبتين للآمال، قادهما حزب العمل الوطني اليساري .

وتلفت في هذا السياق، إلى موهبة اليسار في تدمير ذاته، عبر صراعات داخلية بين مختلف مكوناته السياسية، مبينة أنه حاول الرئيس المكسيكي السابق فيليب كالديرون، جعل مدة رئاسته، فترة لمكافحة مجموعات تجارة المخدرات .

ولكن تلك السياسة انقلبت ضده، عبر موجات من العنف، لتعرف البلاد تعاظما كبيرا للجريمة المنظّمة اعتبارا من عام 2006 ، وذلك يمثل تاريخ وصوله إلى السلطة. وهذا بينما كان قد تمّ التوصـــل إلى "استقـــرار وتيرتهـــا" في السنوات السابقة. وهنا تشرح المؤلفة، بالتفصيل، النتائج السلبية الكبيرة التي ترتبت على سياسة المواجهة العسكرية مع "كارتلات" المخدرات والجريمة المنظّمة، من دون دراسة كافية ودقيقة للمعطيات الموضوعية القائمة على الأرض.

ولكن على أساس مفاهيم إيديولوجية لم تؤدِ إلى الهدف المعلن. كما شجع فشل تعزيز واقع التغيير من أجل سد الفراغ الناجم عن انهيار حزب سيطر على الحياة السياسية المكسيكية لمدّة سبعين عاما، قبل عام 2000، ظهور ممارسات سلبية جديدة، مثل: تدعيم مختلف أشكال الاحتكار، تنامي قوّة متسلقين جدد على السلطة حول أصحاب القرار الجدد .

ومن الظواهر التي تؤكّد عليها المؤلفة، تنامي التظاهرات الطلاّبية في المكسيك خلال السنوات الأخيرة، كإحدى ممارسات حريّة التعبير عن الرأي. وهنا تشدد على ضرورة عدم تضخيم مدلول هذه المظاهرات، ولكن بالوقت نفسه، عدم التقليل منها.

ويتضح بجلاء، أن الكتاب يتركز على السنوات العشر الأخيرة من تاريخ المكسيك، من دون التعرّض كثيرا، إلى البعد التاريخي للمشكلات التي تعاني منها البلاد، حاليا. ولكن بالمقابل، تتبنّى المؤلفة أسلوب التحقيق الميداني، وتقدم الكثير من المعلومات عن الديمقراطية، بالمقارنة مع النزعة الثورية القومية لعقود ما قبل عام 2000. ولتبرزها كوسيلة مهمة في التعرف على واقع هذه البلاد الحيوية في أميركا اللاتينية.

 

الكتاب: مكسيكو .. الديمقراطية المعطّلة

تأليف: جو توكمان

الناشر: جامعة يال 2012

الصفحات:311 صفحة

القطع: المتوسط