"ليس هناك مدنيون في اليابان". هذه هي الكلمات التي يقتطعها بول هام، الصحافي الأسترالي، مؤلف كتاب "هيروشيما.. ناغازاكي"، من تقرير لأجهزة الاستخبارات الأميركية، التابعة لسلاح الجو الأميركي، أما زمنها فهو في الفترة القصيرة التي سبقت قصف مدينتي هيروشيما وناغازاكي، بالقنابل الذرية، في مطلع شهر أغسطس من عام 1945، ما وضع حداً نهائياً للحرب العالمية الثانية، مع إعلان اليابان استسلامها.
ويجد المؤلف أن دلالة الجملة واضحة، وهي أن الأميركيين أرادوا وضع نهاية لحرب كونية نشبت منذ عام 1939، تلقّت فيها مدن استراتيجية، كبرى، مثل لندن وروما وبرلين ودرسون وموسكو، أطناناً من القنابل. وبهذا المعنى كان السكان المدنيون أحد الأهداف الأساسية في تلك الحرب.
وكان إلقاء القنابل الذرية على هيروشيما وناغازاكي، بمثابة تعبير عن ضراوة تلك الحرب الشاملة. وكانت الخسائر، كما يقدمها المؤلف، حوالي 180000 ضحية، بين قتيل وجريح، خلال الأيام التي عرفت إلقاء القنابل على المدينتين.
ومن ثم عشرات الآلاف من الضحايا، في الأسابيع والأشهر والسنوات اللاحقة، بسبب تعرّضهم إلى الإشعاعات الذرية. وهنا يفتح المؤلف قوسين ليسأل: هل هذه الوسائل تبرر غاية وضع حد نهائي للحرب العالمية الثانية؟ وهل كان ينبغي إلقاء القنابل أصلاً؟ والإجابة على هذين السؤالين تمثل صميم كتاب "هيروشيما وناغازاكي".
ويبين بول هام، أنه حتى في هذا الزمن، والذي تواجه فيه البشرية تحديات تغيّر المناخ والإرهاب وموجات الانتحاريين، وكل ما يحمل في طياته التهديد بتدمير الإنسانية، إنما هي تهديدات لا تعادل سوى القليل من ما تمثله القنبلة الذرية، وغيرها من أسلحة الدمار الشامل.
ثم إن "تهديد الوجود" ارتبط واقعياً مع اختراع السلاح النووي. ويشير المؤلف إلى أن التبريرين المقدّمين من السلطات الأميركية آنذاك، خلال قصف المدينتين اليابانيتين بالقنبلة النووية، والمتمثلين في القول ان القصف بالسلاح النووي كان ضرورياً من أجل استسلام اليابان.
ومن أجل البرهان على السيطرة النووية الأميركية في مواجهة الاتحاد السوفييتي السابق، يمثلان أكاذيب واضحة. لا شك أن كتباً كثيرة جعلت من القنبلة الذرية الأميركية على هيروشيما وناغازاكي، موضوعاً لها. كما ناقشت أسبابها ونتائجها وآثارها، لكن لعل الكتاب أحد أكثرها شمولاً في شرح الخلفيات والأسباب الحقيقية لذلك.
ويدرس المؤلف في الفصل الأخير من الكتاب، الأسباب العميقة التي كانت وراء حالة الرعب التي عاشتها المجموعة الدولية والرأي العام الأميركي والعالمي، جراء قصف هيروشيما وناغازاكي، مسلطاً الضوء على حقيقة الرعب الذي عرفه العديد من أولئك، الذين أسهموا في صناعة القنابل الذرية، التي جرى استخدامها. ولا يتردد المؤلف في القول ان هؤلاء كانوا على وعي تام بقدرتها التدميرية.
مع الإشارة إلى أنهم لم يبدوا أي إحساس بالذنب، وأنه ليس في محاضر الاجتماعات العلمية ما يشير إلى أن أحدهم أثار مسائل ذات طبيعة أخلاقية أو إنسانية، يمكن أن تترتب على قصف مدينة وتدميرها. فهم كانوا منخرطين في حرب ضد بلاد آمنوا بأنها تمثل كل العداء بالنسبة إليهم. ومن ثم، وبهذا، جرى استهداف المدنيين اليابانيين بكل وعي. فكانت مجزرة جرى التخطيط لها من قبل غير الذين نفذوها.
الكتاب: هيروشيما.. ناغازاكي
تأليف: بول هام
الناشر: هاربر كولنز نيويورك 2012
الصفحات: 528 صفحة
القطع: المتوسط
Hiroshima, Nagasaki
Paul Ham
Harper Collins ذ New York - 2012
528 .P

