يدرس الصحافي الكندي، دوغ ساوندرز، الحائز "الجائزة الوطنية" الكندية للصحافة، ماهية ظاهرة الهجرة من الأرياف الى المدن، وطبيعة أسبابها وتأثيراتها، من خلال تحقيق ميداني يتناول الكيفية التي يغيّر فيها المهاجرون وجه العالم. وذلك في كتاب يحمل عنوان "من القرية إلى المدينة". ويبحث بالتفصيل، ثلاث حالات لوجود المهاجرين في ضواحي مدن كبرى مهمة في هذا الصدد، وهي: ساوباولو وبومباي وباريس.
يوصف المؤلف، بدقة وعمق، نمط حياة هؤلاء المهاجرين، منذ أجيال عديدة، في الكثير من الحالات. ومما يثير الدهشة لدى غالبية الناس، حتى لدى الباحثين المتخصصين، أن دوغ ساوندرز يخرج بنتائج تميل بالأحرى، نحو التفاؤل وبالأمل بالنسبة للمستقبل. ويرى أنه من التسرّع والعجالة الزائدة، وصف السكان المعنيين بأنهم يعيشون غالبا في أمكنة فقيرة جداً، يعشش فيها العنف في أحياء شديدة الاكتظاظ بالسكان..
كما أن الصورة السائدة عن هؤلاء، غالبا، كما يشير المؤلف، إلى أنهم يمثلون " المعذّبون في الأرض " الجدد، بعد أولئك الذين وصفهم فرانز فانون. وهذا إضافة وصف آخر لحالتهم، بأنهم أولئك الذين تركتهم العولمة السائدة، على قارعة الطريق. لكن هؤلاء، كما يبين المؤلف، يشكلون اليوم حوالي مليارين من البشر، أي ما يقارب ثلث الإنسانية، وهم في صدد تغيير نمط حياتهم.
وعلى عكس هذا المقولات، بل وعلى النقيض منها، يرى ساوندرز أنه في محيط المدن العالمية الكبرى، وعلى تخومها، ذلك في مختلف قارّات العالم، مثل: ليما ولوس انجلوس وكالكوتا وبكين وساوباولو وباريس وبومباي، بمقدورنا، نستقرئ بدقة، ملامح عالم الغد.
ولا ينسى المؤلف التأكيد على أن عدم إمكانية تلبية الحاجات الأساسية بالنسبة للقادمين إلى مدن الوصول، يحتمل أن تنجم عنه نتائج مخيفة، ربما تصل إلى العنف المفرط وبروز أشكال احتجاج جماعية، ولكن هناك نماذج نجاح باهرة لاقتصاد مزدهر، مثل الذي عرفه حي دارافي في بومباي، وكذا حي اورانجي في كراتشي، وأحياء وجود البنغاليين في بريطانيا عامّة، حيث يقومون بتحويل مبالغ مهمة إلى موطنهم الأصلي، وتُعرف البيوت الجديدة في قرى بنغلاديش بالبيوت اللندنية.
ويشير المؤلف إلى أن هذا القرن، الـ21، الأخير في عملية انتقال العالم إلى مدن. ويرى أن المهمة الأساسية الملقاة على عاتق المجتمعات الحديثة، تكمن في استثمار دينامية العمل والنشاط ونزعة التفاؤل لدى الوافدين الجدد إلى الوسط المديني، ذلك غاية تحويل هذه الموجة الكبيرة الأخيرة من الهجرات، إلى قوّة تحقيق تقدّم مستدام، ومن ثم وضع حدّ نهائي للفقر، وإنتاج نمط اقتصاد أكثر قدرة على الاستمرار، وجعل الحياة أقلّ قسوة.
وتحقيق مثل هذا الهدف، طبقا لما يجده المؤلف، يستدعي بالضرورة، تفهّم أفضل من قبل المجتمعات الحديثة، القائمة أساسا على التفاوت الاستهلاكي لظاهرة الهجرة، بل وقبولها. وبالتالي، اللجوء إلى الاستثمار الجدّي والمهم في مدن الوصول.
بحيث تصبح الشراكة الإنسانية، أمراً واقعاً من أجل صالح الجميع". وكذلك يشدد المؤلف على أنه ينبغي على البلدان الغنيّة، أن تستفيد من كفاءات وشباب وطاقة ملايين المهاجرين، خاصّة في المناطق التي تنحسر فيها هذه الصفات، مثل القارّة الأوروبية "القديمة".
وفي سبيل الوصول إلى الهدف نفسه، لا بدّ لفلاّحي الأمس، أن يتعلّموا فضائل الحياة في وسط مديني.
الكتاب: من القرية إلى المدينة.. كيف غيّر المهاجرون العالم؟
تأليف: دوغ ساوندرز
الناشر: سويل باريس- 2012
الصفحات: 446 صفحة
القطع: المتوسط
Du village à la ville,
Comment les migrants changent le monde
Daug Saunders
Seuil - Paris- 2012
446.P

