يرصد الكتاب، لمؤلفه، الكاتب والمفكر السوري ياسين الحاج صالح، تفاصيل وحيثيات حياة الكاتب نفسه خلال فترة اعتقاله (سجنه السياسي).
ونجده فيه، حريصا على إيلاء السرد بُعدا أدبيا فكريا شائقا، يلمُ بأطراف من تلك الطفولة الثانية: "التي كانها السجن له". فيعرض لظروف حبسه، وليوميات السجن.. وبذا يخرج عن خط البوح الشخصي ليمنح السرد طاقة تهدر بالألم والقهر والحرمان، ذلك بوصفه (صالح)، كما يشير، واحدا من الجماعة، يلاقي ما تلاقيه في عتمة السجن، ويتجرع كأس المرارة نفسها التي يتجرعها الآخرون من رفاقه.
ويدرج مختلف المعلومات حول اعتقاله، موضحا أنه اعتقل من كلية الطب التي كان قد انتسب اليها، آنذاك، قبل ثلاث سنوات، بتهمة الانتماء الى الحزب الشيوعي السوري. ولم يوفر القمع والظلم، أيضا، أخويه من الاعتقال، فزُج بهما في السجن، وذلك بينما لم تك تمضي ثلاث سنوات أو أربع، على اعتقاله. ويستعرض صالح مشوار حياته في المعتقل، طوال 15 سنة:
في سجن حلب المركزي ومعتقل عدرا في دمشق، لافتا إلى أنه قبل أن تنتهي مدّة حكمه يُعرض عليه أن يصبح مخبرا يكتب التقارير ويشي بأصدقائه، او على الاقل يتعهد بعدم القيام بأي نشاط سياسي مقابل الافراج عنه، فيرفض المساومة. وهكذا يُزجّ به من جديد، مع ثلاثين آخرين في سجن تدمر الرهيب، فيمضي في جحيمه سنة إضافيّة لم يعرف خلالها الاّ "الطعام والعقاب". ليفرج عنه يوم السبت الواقع في 21-12- 1996م، وحينها كان قد مضى على سجنه 16 عاما و14 يوما.
ويتحدّث صالح في الفصل المُعنون "عن الحياة والزمن في السجن".
عن مكافحة السجناء لترويض الوحش، والذي يقلق نهاراتهم ولياليهم. فبعضهم يلجأ الى قتل الوقت بابتداع وسائل للتسلية: صنع المسابح من نوى الزيتون أو التمر، شك الخرز، لعب الشطرنج أو الورق أو طاولة الزهر. وبعضهم الآخر يجمع بين وسائل التسلية الآنفة الذكر، وقراءة الكتب.
ويشير صالح الى وفرة الشباب الذين يمضون زهرة أعمارهم في غياهب السجون، من دون محاكمات، أو زيارات. وبلا خبر يطمئن اهاليهم في ما إذا كانوا أحياء أو امواتا. ويرسل كلمات رنانة منضوية في فحوى حكم ومعرفة مصدرها التجربة الشخصية، نجده يجزم فيها بأنه في السجن تنكشف عيوب السجناء ونواقصهم، فلا أسرار فيه.. إنه المكان الذي نفقد فيه خصوصيتنا جذريا، ونقيم في حالة انكساف تام، ليل نهار، كما يذكر.
ويعلق ياسين في كتابه على تحول السجناء الى الايمان بالله، وذلك في محاولة لتسليم أمرهم الى قوة قديرة، تُعين المؤمن على تحمل عبء حياة السجن، ذلك تحت الضغط الذي يُمارس على السجين معنويا وجسديا، مشيرا إلى أن شعورا دينيا محددا تملكه في سجن تدمر. ويقول هنا : كنت محتاجا الى ألوهة ما بقوّة، وكنت أستغيثها قبل ان انام .لم أُصلّ،ولا في سرّي . ولم أصم، ولم أنذر نذرا.. كنت مسكونا بالرعب، وفي حاجة الى من يُسكّن قلبي". ولكنه، وفي إحدى زيارات أُمه له، طلبت إليه ان يصوم رمضان.
فصام بالفعل، وثابر على صيام الشهر ثلاث سنوات أو أربعا، كما يقول، من دون القيام بأية واجبات دينية، إلا أنه توقف عن الصيام اثر وفاة والدته.
ويتناول المؤلف، في أحد فصول الكتاب: "عوالم المعتقلين السياسيين السابقين في سوريا"، فيؤكد على ارتباط الاعتقال السياسي في سوريا بأنظمة الحزب الواحد. فأولى موجات الاعتقال طالت الشيوعيين في عهد الوحدة بين مصر وسوريا 1961 ــ 1958. وتبعها اعتقال البعثيين للناصريين في مارس 1963.
وفي عهد البعث الثاني اعتقل الناصريون والشيوعيون والبعثيون الموالون للعهد البعثي الاول. ومن ثم ليدشن حافظ الاسد بعيد الانقلاب العسكري الذي اوصله الى الحكم، حملة اعتقالات شرسة، طالت رفاقه البعثيين الذين انقلب عليهم، والشيوعيين والاسلاميين والبعثيين العراقيين والناشطين الاكراد، وقد بلغوا الآلاف. ويورد الكاتب تفصيلات حول اعدام ما بين ستة وعشرة آلاف من الإسلاميين، كانوا في سجن تدمر، رميا بالرصاص.
وفي استطلاع ميداني اجراه الكاتب مع المفرج عنهم من المعتقلين السياسيين، يكشف عن طبيعة انخراط هؤلاء في المجتمع، وعن التغييرات التي بدلت مفاهيمهم وأفكارهم، وكذا عن حياتهم العاطفية وعلاقتهم بالجنس الآخر، وعن المبادرات لإعادة الحقوق المدنية اليهم. وغير ذلك من أمور.
ولا يفوت الكاتب الحديث عن مثقفي السجن، الذين قضوا سنوات سجنهم الطويلة يعملون على التحصيل الثقافي والفكري، في محاولة لترويض السجن والتغلب على تداعياته. اضافة الى مثقفين سابقين على حياة السجن التي خبروها، أمثال: ميشال كيلو، أكــرم البني، علي العبدالله ومحمود عيسى.
ولا عجب في أن يقدم الكاتب الشكر، الى نظام حافظ الأسد، وتداعي الشيوعية التي حملت معها أوهام الايديولوجيات المزيفة، فكان ذلك حافزا لكثيرين على التفكير المستقل، ولولادة عدد من المثقفين السوريين من خريجي السجون.
الكتاب: بالخلاص يا شباب! 16 عاما في السجون السورية
تأليف: ياسين الحاج صالح
الناشر: دار الساقي. بيروت ــ لندن. طبعة أولى 2012
الصفحات: 215 صفحة
القطع : المتوسط
