«هل ستبدأ الحرب العالمية الثالثة في آسيا؟».. هذا هو السؤال الذي يطرحه المديران السابقان لصحيفة لوموند الفرنسية، الان فراشون ودانييل فيرنية، في كتابهما الصادر قبل أسابيع قليلة، تحت عنوان "الصين ضد أميركا"، إذ يعدان ذلك بمثابة " مبارزة القرن" الحادي والعشرين ،كما يدل العنوان الفرعي للكتاب. وفي السياق نفسه، يتم التساؤل الكبير الآخر : "من الذي سينتصر؟".
يؤكد المؤلفان، في محاولتهما تقديم إجابات على ذلك هو أن القوتين المعنيتين، أي الولايات المتحدة الأميركية (في دور " قائد الشرطة: الشريف")، والصين( التي تكتفي، كما يبدو، بدور "سيد الحرب" المحلّي)، تترصّد كل منهما الأخرى في منطقة المحيط الهادئ - الباسفيكي، وأن "مبارزتهما" ستطغى على غيرها في القرن الحالي، الحادي والعشرين.
ويشرح المؤلفان واقع التداخل الاقتصادي والمالي بين القوتين، الأمر الذي تشهد عليه أرقام المبيعات وسندات الخزينة التي تمتلكها الصين من إصدارات الخزينة الأميركية .
ولكنهما يبينان كذلك واقع أن كلا منهما تتسلّح، وأن تعاونهما الاقتصادي الوثيق لا ينفي أن المنافسة الإستراتيجية بينهما تتعاظم أكثر فأكثر، ما يفتح آفاق المواجهات الممكنة. ويصل المؤلفان في تحليلاتهما، إلى القول ان لصدمة بين هاتين الإمبراطوريتين، أصبحت واقعة من دون شك. والقول ان المعركة "الجديدة" في المحيط الهادئ، وخاصّة في الجزء الغربي منه، ستكون هي مقدمة الصدمة الحقيقية.
وأن هذه المعركة لم تعد بعيدة. فالصين تريد أن "تجد مكانها" الذي تعتقد أنه يعود إليها بفعل واقع هيمنتها الإقليمية جغرافيا، ومكانتها الاقتصادية العالمية . وهي تسعى إلى تأكيد تفوقها السياسي والعسكري والاقتصادي. ولكن أيضا، وخاصّة، سيادتها على مجموعة الجزر المتوسطة والصغيرة، والتي تطالب اليابان بفرض سيطرتها عليها، على أساس أنها تشكل جزءا من سيادتها الوطنية.
ويوضح المؤلفان أن الولايات المتحدة تريد "الاحتفاظ بمكانها"، الذي ورثته من الحرب العالمية الثانية، وتبغي البقاء في موقع القوّة الأولى . ويلفتان إلى أنها ترى أن مصير بقائها القوة العالمية الأولي، يتحدد في المحيط الهادئ. وهذا خاصّة أن أسواق الغد الكبرى، ستكون في هذه المنطقة من العالم، وهي اليوم أهم مناطق النمو الاقتصادي في العالم.
وفي مثل هذا المنظور، تحرص الولايات المتحدة على تعزيز تحالفاتها العسكرية، خاصّة في منطقة المحيط الهادئ، الأمر الذي يرى فيه القادة الصينيون، محاولة أميركية واضحة لكبح قوتهم الصاعدة، بتعبير آخر يرون في المسعى الأميركي، عملا عدائيا. ومن هنا لا يمكن استبعاد حصول مواجهات، ولو محصورة جدا جغرافيا، بين الصين والولايات المتحدة . ومن هنا أيضا يأتي التشوش، كما يرى المؤلفان، في العلاقات الصينية الأميركية.
أمّا أوروبا وبقية العالم، فلعل دورهم يكمن في عدّ النقاط التي تكسبها واشنطن أو بكين. فبلدان المنطقة في غرب المحيط الأطلسي التي يمكن أن تكون ساحة المبارزة الصينية الأميركية، تتجه عامّة نحو واشنطن، للاحتماء من سطوة بكين عسكريا. وتطمح في الوقت ذاته، وبالاعتماد عليها، لتحقيق تنميتها وازدهارها الاقتصادي. وفي السياق الراهن غدت الـ "كوكا كولا" مشروبا صينيا شعبيا.
وباتت الشبيبة الصينية تتآلف، أكثر فأكثر، مع شبكات التواصل الاجتماعي، مثل: الانترنيت والتويتر. لكن، وبالمقابل، لا يزال هناك جنرالات عقائديون يحملون نزعة قومية صينية متشددة، ويريدون تحقيق التفوّق على الأميركيين في المحيط الهادئ، وكل السبل ممكنة من أجل تحقيق هذه الغاية.
ويشير المؤلفان إلى حقيقة أن الولايات المتحدة لا تريد من جهتها، التخلّي عن مواقعها وعن أصدقائها الذين يشكلون وسيلتهم الأفضل لذلك، وعلى رأسهم تايوان (الصين الوطنية،كما كانت تُسمّى حتى فترة ليست بعيدة)، وبالتالي يمكن لهذه المنطقة أن تكون نقطة وبؤرة المنافسة بامتياز، بين الصين وأميركا.
وهو ما يمكن أن يكون مؤشرا على احتمال قيام حرب باردة جديدة. ولكنها مختلفة عن تلك التي سادت عقودا عديدة، بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي السابق، إذ كانت المواجهة ذات طابع إيديولوجي وعسكري واقتصادي وعلمي، وهذا مختلف عن ما يجري اليوم في ظلّ سيادة اقتصاد السوق .
ويلفت المؤلفان إلى أن السمة الغالبة على الصين اليوم، هي أنها تحاول تقليد نمط العيش ونمط الاستهلاك الأميركي.."إنها تتأمرك"، كما يقولان . وأمّا الولايات المتحدة، فإنها تعوّدت على أن تتموّل من الصين.
وفي المحصّلة، يؤكّد المؤلفان أن التعاون والتداخل الاقتصادي الصيني ـ الأميركي، لا يكفيان وحدهما لنفي احتمالات المواجهات بينهما.
الكتاب: الصين ضد أميركا.. مبارزة القرن
تأليف: الان فراشون ودانييل فيرنيه
الناشر: غراسيه - باريس- 2012
الصفحات: 272 صفحة
القطع: المتوسط
La Chine contre lصAmérique
Alain Frachon et Daniel Vernet
Grasset - Paris- 2012
272 .p
