يؤكد كتاب"نجيب محفوظ.. أدبه في إيطاليا"، لمؤلفه الدكتور حسين محمود، أستاذ اللغة الإيطالية وآدابها، أن ترجمة مؤلفات أديب نوبل إلى اللغة الايطالية، أسهم في تعزيز سعة قاعة القارئين للادب العربي عموما. ويعرض المؤلف آراء بعض المستعربين الإيطاليين الذين ترجموا لمحفوظ، أو تناولوه بالنقد.
وعلى رأسهم المستعرِب الإيطالي الكبير فرانشيسكو جابراييلي، الذي أكد أن الأدب العربي، حصل أخيرا، ومع نجيب محفوظ، على اعتراف عالمي كان يستحقه أيضا أدباء عرب مؤهلون للفوز بنوبل بجدارة، منهم توفيق الحكيم وطه حسين. وشدد على تمنيه أن تصيب الجائزة في المستقبل ثمارا يانعة من الأدب العربي الناهض.
وينقل محمود، اقتباسا من المستعرب الإيطالي أومان (1922 ـ 2007)، المتخصص في اللغة العربية، والذي قال :" إن نجيب محفوظ كان مجهولا في إيطاليا قبل فوزه بنوبل، اللهم إلا في الأوساط المهتمة بالدراسات العربية، رغم أنه سواء فاز بنوبل أو لم يفز، هو أكبر الروائيين العرب، وهو الذي استطاع أن يستغل ثراء اللغة العربية مصرية الهوية، ويكتب بلغة قادرة على التعبير عن نطاق واسع من الأطياف النفسية". ثم يعلق المؤلف على هذه الآراء بأنها، في المجمل.
وبعيدا عن المتخصصين الذين عرفوا محفوظ خير معرفة، فإن الانطباع العام كان نقص المعلومات والآراء الكافية لتكوين صورة معقولة أو مقبولة أو يمكن الوثوق بها، عن الكاتب المصري الذي فاز بنوبل؛ وأن فوز محفوظ، فضح الجهل التام للقارئ الأوروبي بالثقافات المغايرة، وعلى نحو خاص، جهله بالثقافة العربية، والتي اقتصر تناولها حتى ذلك الوقت، على الجهد الأكاديمي.
يدور أحد فصول الكتاب عن "نجيب محفوظ بين الأدب والسينما"، ويوضح المؤلف فيه، أن قليلين فقط هم من يعرفون الدور الأساسي الذي لعبه محفوظ في تجديد السينما العربية، لأنه ليس هناك كاتب قط كانت له مثل هذه العلاقة الوثيقة مع السينما في بلاده.
كما كان لمحفوظ، إذ كتب خمسة وعشرين موضوعا للسينما، وبلغ عدد الأفلام المستوحاة من أعماله، أربعين فيلما..اعتمدت على رواياته وقصصه القصيرة التي كتب لها السيناريو. ولم تقتصر علاقته بصناعة السينما على عمله كاتبا.. لكن كانت له مهام دقيقة غطت مجالات متعددة، بدأت بعمله مديرا للرقابة ثم رئيسا لمؤسسة السينما وأستاذا بمركز السينما التجريبي.
ويستنتج المؤلف أن نجيب محفوظ هو جزء لا يتجزأ من مخيلة المتحدثين بالعربية ووعيهم الثقافي، بما في ذلك غير المتعلمين، وذلك بفضل جمعه التلقائي الطبيعي بين الكتابة والصورة السينمائية، وبذلك فإنه إذا كان عمله الأدبي موجها أساسا إلى هذه الشريحة الضيقة من النخبة
المثقفة، فإنه بالسينما تمكن من الوصول إلى أبعد ركن من العالم العربي، حيث تمثل الشفاهية الوسيلة الوحيدة للتواصل الثقافي، التي تم التعبير عنها من خلال السينما.
كما يبين محمود أن النجاح السينمائي لنجيب محفوظ يكمن تحديدا، في طريقة معالجته الصراع الطبقي، ووصفه الدقيق للطابع القوي لشخصياته، وقدرته على تحديد درامية الموقف الذي يخلقه، ويُضاف إلى ذلك أصالته المبتكرة، ونجاحه في إيجاد شخصيات إيجابية.
وينتقل المؤلف إلى تناول الصحافة الإيطالية لوفاة نجيب محفوظ عام 2006، ومنها صحيفة "لا ستامبا" التي نعته قائلةً: " إن محفوظ لم يكن كاتبا واقعيا خالصا باعتباره (مصريا)، ولكن باعتباره عالميا.
وكان بالنسبة للعديد من القرَّاء، بمن فيهم القرَّاء الغربيون على نحو خاص، الإنسان الذي جعلنا نفهم ونستوعب قرنا من الحياة في ذلك الجزء المهم جدا من العالم، الذي هو مصر، وجسَّد الآمال والإحباطات التي يحملها مواطنوه لنصف قرن، وقد بادله مواطنوه الحب نفسه، فأُعدت كتبه للسينما والمسرح والتليفزيون، ودخلت شخصياته لتصبح جزءا من مكونات الثقافة الشعبية".
كما يشير المؤلف إلى ما كتبته ماريا دونزيللي، أستاذة الفلسفة بجامعة نابولي الشرقية، في نعي نجيب محفوظ: "يمكن اعتبار أعمال محفوظ نموذجا للأدب المتوسطي، الذي تتشابك فيه ثقافات مختلفة، فرواياته المشربة بواقعية حواري القاهرة، تنهل من منبع التراث الشفهي للمغرب أيضا، ولعالم شمال الصحراء والمحيط الأطلنطي والفرات، حتى وإن لم يبرح محفوظ القاهرة بتاتا.
حيث قضى حياة ملتزمة صارمة موظفا وكاتبا، إلا أن حساسيته الثقافية الواسعة والممتدة جعلته يقص حكايات يضع في بؤرة أحداثها الموضوعات الرئيسية المعاصرة لمنطقة شرق المتوسط من صعوبات ما بعد الاستعمار، إلى الفساد والأفكار الاجتماعية الجامدة، إلى المخدرات والتطرف الديني".
الكتاب: نجيب محفوظ أدبه في إيطاليا
تأليف: حسين محمود
الناشر: الهيئة المصرية العامة للكتاب القاهرة 2012
الصفحات: 103 صفحات
القطع: المتوسط

