يبحر كتاب"الدين والنص والحقيقة..قراءة تحليلية في فكر محمد أركون "، لمؤلفه الدكتور مصطفى الحسن، في مضمون فكر الفيلسوف الجزائري محمد أركون، الذي تميزت أفكاره بطابع التنظير وإثارة الأسئلة والإشكاليات، إذ يرى أنَّه يقسِّم التاريخ الإسلامي إلى :
العصر الكلاسيكي( العصر الممتد والبالغ ذروته في القرن الرابع الهجري، ويسميه عصر الأنسنة)، عصر الانحطاط (حين يُقتل الإبداع وتنتشر الطريقة المدرسية في التعليم. ويصف أركون تلك المرحلة بالظلامية، ويرى أنَّ الحركات الإسلامية اليوم هي امتداد لها .
وبالتالي هي منقطعة عن الفكر الإنسي في القرن الرابع الهجري). ويلفت المؤلف إلى أن أركون يصب غضبه ولومه على الغرب، وعلى أنظمة ما بعد الاستعمار، فالغرب الذي أنهك العالم الإسلامي بالاستعمار الظالم، يحاول أن يرضي ضميره بتقديم بعض المساعدات الشكلية.
لكنَّه في الوقت نفسه، يصر على دعم الأنظمة المنتهكة لحقوق الإنسان في بلادنا، هذه الأنظمة هي التي قضت على الفكر الحداثي، في رأيه، وغذت ودعمت الاتجاهات الإسلامية الحركية. ويؤكد الحسن أن أركون لا يجد حلاً لهذه الأنظمة المدعومة من الغرب، سوى الثورة السياسية في وجهها. وهذا يتطلب الاكتساب السريع للثقافة الحديثة المتعلقة بحقوق الإنسان والممارسة الديمقراطية للحكم في المجتمعات المهمشة المستغلة من قِبل نخبتها الطفيلية.
كما من قِبل العنف البنيوي لأنظمة التبادل التجاري. ثمَّ يشير الباحث الحسن إلى موضوع كان طرحه أركون، حول إقامة مشروع ورشة كبيرة عن الدراسات القرآنية، يعنى بتطبيق المنهج التاريخي الفيلولوجي على دراسة النص القرآني، إذ كان يرغب في أن تقوم هذه الورشة في العالم العربي باللغة العربية. وينتقل المؤلف إلى شرح مفهوم الاستشراق ونقده، أو التعامل معه بوصفه خصماً استعمارياً، كما يراه أركون، والذي يعتبره خطأً منهجياً.
ويشير الحسن إلى أنَّ الأنسنة التي يدعو إليها أركون هي مؤمنة شكلاً لاحقيقة، فالإيمان بالنسبة إليها حاجة من حاجات الإنسان لابد من إشباعها ولا يمكن تجاوزها. لذلك يتمركز الإنسان في إيمانه حول ذاته.. إنها لا تختلف في جوهرها عن الأنسنة الملحدة التي ينتقدها أركون، سوى أنَّ تلك الملحدة أكثر صراحة مع نفسها.
لكن أركون أدرك أنَّ المشكلة الروحية لا يمكن تجاوزها، فعاد إلى الإيمان الشكلي، وهو ينطلق من عقيدة وحدة الوجود وإن كان ينفيها. وتظهر هذه الإشكالية بوضوح أكثر حين يتحدث أركون عن حاجة الإنسان إلى إيجاد منظومة أخلاقية، والمشكلة عنده تكمن في فكر التنوير الذي لا يؤمن بإيجاد مرجعية تؤسِّس للأخلاق. ولا يقدر على ذلك بسبب نزعته العقلية التي تحقق النجاحات في مجال الأحياء والكيمياء، لكنها لا تستطيع أن تحسم مسألة الأخلاق والقيم.
والمشكلة الأخرى أنَّ فكر التنوير أزاح المرجعية الدينية ودمَّرها بالكامل، فلم يعد بإمكانها القيام بالمهمة التي تؤمن بها. مع هذا فإنَّ نظرية موت الدين فقدت مصداقيتها، لأنَّ جميع الأدلة تدل على عودة الدين، لكن الباحثين في الظاهرة الدينية لا يتحدثون عن عودة الدين، بل عن تحديثه، أي إنَّ الدين بعد الحداثة لن يكون هو ذاته قبلها، وأهم ميزاته أنَّه يتمركز حول الذات، فليس المهم معرفة الإله، وإنَّما المهم كيف يتصوَّر الإنسان الإله.
فالدين موجود لإشباع حاجات الإنسان الروحية. وفي الخلاصة، يصل الحسن إلى خلاصة مفادها أن أركون يرى أنَّ هناك ثلاثة أركان لكل تراث، فيقول: العنف، التقديس، الحقيقة. هذه هي الأركان الثلاثة لكل تراث مشكَّل ومشكِّل للكينونة الجماعية أو للوجود الجماعي على الأرض. ولا تخلو منها أمة من الأمم أو قبيلة من القبائل أو دين من الأديان. والجماعة مستعدة للعنف من أجل الدفاع عن حقيقتها المقدَّسة.
والإنسان بحاجة إلى عنف وإلى تقديس وإلى حقيقة لكي يعيش ولكي يجد له معنى على هذه الأرض. لذا فالعنف مرتبط بالتقديس والتقديس مرتبط بالعنف، وكلاهما مرتبطان بالحقيقة أو بما يعتقدان أنَّه الحقيقة، والحقيقة مقدَّسة وتستحق أن يُسفك من أجلها الدم! هذا هو المنطق الذي ساد الوجود البشري في كل المجتمعات والأديان والعصور.
المؤلف في سطور
الدكتور مصطفى الحسن، كاتب وباحث سعودي. يعنى بالدراسات والمسائل الفلسفية والدينية. لديه مؤلفات عديدة.
الكتاب: الدين والنص والحقيقة.. قراءة تحليلية في فكر محمد أركون
تأليف: مصطفى الحسن
الناشر: الشبكة العربية
للأبحاث والنشر
بيروت 2012
الصفحات:207 صفحات
القطع: المتوسط

