يتبنى كتاب "مظاهر الاعتقاد في أولياء الله الصالحين ..دراسة للمعتقدات الشعبية في مصر"، لمؤلفه الدكتور عبد الحكيم خليل سيد، رأي محمد الجوهري في تعريف الأولياء في المعتقد الشعبي، والذي هو: "الأولياء هم تلك الفئة من الشخصيات الدينية التي تحظى بتكريم خاص من جانب الناس، ولكنها لا تنتمي إلى فئة الأنبياء أو غيرهم من الشخصيات الدينية المقدسة، وقد ترسخت في الاعتقاد الشعبي فكرة أن الأولياء هم الواسطة بين الإنسان وخالقه، كما يعترف المعتقد الشعبي للأولياء بسلطان لا حدود له، ويضفي عليهم بعض الصفات المعجزة الخارقة للطبيعة، والاعتقاد في الأولياء يشغل مساحة كبيرة لدى الجماعات الشعبية، فالأولياء يجسدون أحلام وآلام واحتياجات هذه الجماعات في مختلف العصور".
وللكتاب أهمية كبيرة؛ لأنه يدرس ملامح أساسية في الثقافة المصرية، واحتفاظها بالمعتقدات الشعبية القديمة، إلى جانب المعتقدات التي تنشأ مع تطور الاقتصاد والحضارة، وتتحدد أهمية الدراسة في أنها تحاول أن تغطي جانباً يتصل بموضوع الاعتقاد في الأولياء كأحد عناصر الثقافة الشعبية الذي لم يلقَ عناية كافية، كما أن رصد موضوع الاعتقاد في الأولياء في إحدى المناطق في المجتمع المصري الذي يتعرض لتغيرات بنائية حاسمة، يحتم عملية إجراء دراسات ترصد وتحلل وتفسر اتجاهات وأسباب هذا التغير
عن طريق الكشف عن ذلك المخزون الثقافي والاعتقادي العميق، بغرض الكشف عن جذور هذه الاعتقادات الشعبية الراسخة في نفوس أفراد مجتمع الدراسة، وتقديم تحليل نظري وظيفي لطرق ومظاهر الاعتقاد في الأولياء. ويتناول الكتاب مفهوم "كرامات الأولياء" في المعتقد الشعبي، فالاعتقاد في الأولياء يستند إلى الإشارة أو الرمز الذي يشير إلى القدرات الخاصة الخارقة للطبيعة والإنسان التي يتميز بها الأولياء عن غيرهم من الناس، وتجعلهم قادرين على أداء أفعال غير عادية إعجازية، يعجز الإنسان عن أدائها، تُعرف بالكرامات.
وهذه الكرامات تُنسب للقديسين والأولياء باعتبارها طاقة روحية مصحوبة بمواهب إلهية غير عادية، يستمدها الولي أو القديس من قربهما إلى الله، وهي التي تمكنهما من التأثير بطريقة ملموسة في عالم الأحياء رغم غيابهم الجسدي عنه، ويستمرون بها في إنصاف المظلومين أو شفاء المرضى وإغاثة الملهوف وتحقيق أمنيات المحتاجين البسطاء. ويؤكد المؤلف على أن أهل السنة لا ينكرون وجود الكرامات، بل إنهم يعترفون بالكرامات وإمكانية حدوثها العقلاني، إلا أنهم يرون أن لا توضع الكرامات مع المعجزات في القالب نفسه.
ويتطرق سيد إلى دراسة "الموالد" كاحتفالية دينية في مصر الإسلامية، وما تتمتع به من خصوصية، لجمعها بين الكثير من الممارسات الحياتية المختلفة التي تتيح فرصة التعرف على كثير من العادات والتقاليد الشعبية المصرية، فالمولد هو احتفال بيوم ميلاد نبي أو ولي من أولياء الله الصالحين، تمتزج فيه العادات والمعتقدات الشعبية مع الشعائر والممارسات الدينية، وتتضمن بداخلها مظاهر دينية، اجتماعية، ثقافية، فولكلورية.. تعمد إلى المحافظة على الملامح الثقافية والشعبية لمجتمع بعينه (محلي أو إقليمي)، وتأخذ مدة هذه الاحتفالية من يوم فأكثر في بعض الموالد، وتُختم بالليلة الكبيرة أو الختامية أو ليلة الوداع.
كما يستعرض المؤلف أضرحة الأولياء، وهي عبارة عن تلك القبور التي يُدفن فيها أولياء الله الصالحون، والتي ربما تعلوها قباب ذات أهداف معينة، منها إظهار جلال المدفون، أو علامة على علوّ كعبه في حياته، أو ربما تخليداً لذكراه، أو لمحاولة اكتساب الثواب في الآخرة واستقطاب الناس حوله؛ وهو غير "المقام" فالمقام هو موطن القيام أو موطن الإقامة.
والمقام هو المكان الذي يرقد به جسد الولي، وهو مبنى مربع أو مستطيل له قبة مرتفعة، وتجاوز الناس في إطلاق المقام على قبر الولي الذي يحيط به خشب أو نحاس أو نحوهما، ومغطى بستائر خضراء أو غير مغطى، وهو ما يحتمل أن يشير إلى تعارض ذلك البناء مع الشكل الخاص بالضريح الذي أقرّه الإسلام، ما جعل أتباع الطرق الصوفية يهُبّون مدافعين عن مقامات الأولياء وإقامة الأضرحة والتماس بركة الموتى، مُستندين برأيهم في ذلك إلى الكتاب والسنة.
الكتاب: مظاهر الاعتقاد في الأولياء.. دراسة للمعتقدات الشعبية في مصر
تأليف: د. عبد الحكيم خليل سيد
الناشر: الهيئة المصرية العامة للكتاب القاهرة 2012
الصفحات: 560 صفحة
القطع: المتوسط

