يشكل كل كتاب يصدر للاقتصادي الأميركي الشهير بول كروغمان، الحائز جائزة نوبل للاقتصاد عام 2008، حدثاً مهماً. ولا يشذّ عن هذه القاعدة كتابه الأخير الذي يحمل عنوان: "اخرجونا من الكساد.. الآن".

على مدى الفصول الثلاثة عشر التي يتألف منها الكتاب، يطالب المؤلف بضرورة "توقف اللغو في الكلام وتكرار الترهات والانتقال إلى العمل". ويكتب: "إن القسم الأكبر من الأدبيات التي تتكرر اليوم حول الكارثة الحالية يتساءل أصحابها: كيف حصل هذا؟ وبالنسبة لي أفضّل بالأحرى أن أطرح السؤال التالي: والآن، ماذا ينبغي أن نفعل؟".

ولا يتردد كروغمان، كما فعل أصلاً في مجمل كتاباته، في أن يوجّه نقدا شديدا لما يسميه "الارثوذكسية الاقتصادية". ويريد من هذا الكتاب جعل الاقتصاد "مفهوما"، كما يقول، من قبل القارئ الذكي المتوسط الذي لا يألف عادة الخوض في المسائل ذات الطبيعة الاقتصادية.

ويولي مؤلف الكتاب اهتمامه في الدراسة، لمنطقتين جغرافيتين. الأولى هي الولايات المتحدة الأميركية التي يكرّس قسما من الكتاب لتناول اقتصادها عامة، ومن ثم يولي اهتمامه أيضا للنقاشات الخاصة بالسياسة الاقتصادية الأميركية الداخلية. والمنطقة الثانية هي القارة الأوروبية، حيث يركز حديثه على "الوهم الأوروبي الكبير"، الخاص "بالأسطورة" القائلة إن هناك أزمة تعود بشكل أساسي إلى انعدام المسؤولية على صعيد الميزانيات الخاصة بالبلدان الأوروبية.

ويرى كروغمان أن الولايات المتحدة تمتلك أدوات للسياسة الضرائبية والنقدية المالية- هي أكثر فعالية من ما تمتلكه أوروبا، بسبب عدم تكامل اقتصاد اليورو، وأيضا عدم تكامل المؤسسات الأوروبية. ويضيف: "أولئك الذين يحكموننا تجاهلوا المبدأ الذي قال به كنزي، الأب المؤسس للفكر الاقتصادي الرأسمالي، إنه في فترة التوسع والازدهار وليس في فترة التباطؤ والتقهقر، ينبغي تطبيق سياسات التقشّف". ويتساءل المؤلف:" هل القادة الأوروبيون يحبون تعذيب النفس؟".

ويسخر في الوقت نفسه، من فهم الاقتصاد كأنه حكاية أخلاقية قريبة من الخطايا التي تنال العقاب في الوقت الذي لم يكن قد تمّ اقترافها في أغلب الأحيان. وبالمقابل، يرى كروغمان أنه لا بدّ من إخضاع البلدان التي تعاني من عجز كبير، مثل اليونان وعدد من الدول الأوروبية، لنظام طويل الأمد، من التقشف، مشيرا إلى أنه يجدر بالبلدان الأوروبية، خاصة الغنية منها، أن تقدم كل ما في وسعها من أجل المحافظة على العملة الأوروبية: اليورو، ذلك أن تفكيكه والخروج منه، سيكون ذا كلفة كبيرة.

ويخلص المؤلف في نقاشه للأزمة الكبيرة التي تعيشها منطقة اليورو، إلى أنه من أجل ولوج سبيل يؤدي إلى حل عملي لهذه الأزمة، لا مفر من أن يتبنّى البنك المركزي الأوروبي سياسة نقدية توسعية إلى درجة كبيرة، وكذلك ينبغي على ألمانيا وبعض البلدان الأخرى الالتزام بحل المسائل المتعلقة بالميزانيات.

وفي جميع الحالات، يشدد على ضرورة أن تخرج أوروبا من حالة الهلع التي تعيشها منذ أربع سنوات.إن القناعة الثابتة التي يعلن عنها، الحائز جائزة نوبل للاقتصاد: ( المؤلف)، تحتوي، كما يبدو للوهلة الأولى، على بعض الغرابة، ذلك أنه يرى سبيل الخروج من الأزمة من خلال وصفة بسيطة جدا، وهي الإنفاق الواعي والمدروس، وهذا على خلفية تأكيد قاعدة كرّستها دروس التاريخ كله، مفادها أنه لم يخرج أي اقتصاد من حالة الكساد عبر ممارسة سياسات تقشفية.

وكذلك يشير كروغمان إلى أن التقشف العام الذي قرر الأوروبيون تطبيقه لحل المشاكل المتعلقة بزيادة الديون التي تعاني منها بعض البلدان، لم يؤد إلى نهاية هذه المشكلات، بل على العكس أدى، أي التقشف، إلى إثارة شكوك متعاظمة لدى العديد من الاقتصاديين. ويصل كروغمان في محصلة تحليلاته إلى القول إنه ما كان للأزمة الكبيرة التي يجتازها العالم الغربي عامة، وأوروبا خاصة، أن تكون بمثل هذه الخطورة، لو طبقت العلاجات الناجعة الناجحة في الوقت المناسب.

 

 

 

 

الكتاب: أخرجونا من الكساد الآن

تأليف: بول كروغمان

الناشر: دبليو دبليو نورتون

نيويورك 2012

الصفحات: 259 صفحة

القطع: المتوسط

 

 

 

 

End this depression now

Paul Krugman

W. W. Norton

New York 2012

259 .P