يستعيد كتاب "حياة غير آمنة جيل الاحلام والاخفاقات " لمؤلفه شفيق الغبرا، أبرز الاحداث التي رسمت حياته، واسهمت في تكوين شخصيته، منذ ولادته في الكويت عام 1953، بعد لجوء العائلة اليها عقب نكبة العام 1948، ومرورا بسنوات الدراسة التي أمضاها في بيروت، وفي الولايات المتحدة حيث نال شهادة البكالوريوس من جامعة جورج تاون فيها، وهو في الواحدة والعشرين من العمر، وانتهاء بانتسابه الى المقاومة الفلسطينية، وتفرغه للنضال ضد اسرائيل انطلاقا من الجنوب اللبناني، وكذا اشتراكه في الاقتتال الداخلي الذي حصد عشرات الالاف من الضحايا، وخلف دمارا وتهجيرا وتقطيعا لاوصال لبنان، طيلة 15 عشر عاما من الحرب اللبنانية.
يعترف الغبرا في كتابه بأن الاقتتال الداخلي في لبنان، والذي انغمس فيه، كان بلا جدوى وهو بمثابة نقطة سوداء في سجل تاريخ جميع من انخرطوا فيه. ونجد في الكتاب، أنه عاد مؤلفه، وكما يوضح في سيرته، بُعيد تخرجه من الجامعة، الى بيروت، مأخوذا بقضية فلسطين، بلده.
والذي انتهى إثر حربين مدمرتين، في عامي 1948 و1967، الى وطن يرزح بمن بقي من أهله تحت الاحتلال الاسرائيلي، في ما مئات الالاف ممن توزعتهم مخيمات الشتات، كانوا يتدبرون أمر عيشهم بانتظار ساعة العودة .
ويبين الغبرا كيف خاض أولى تجاربه في العمل الطلابي السياسي مع حركة فتح،بداية، في الكويت، عندما كان في التنظيم الطلابي عام 1968، ثم في بيروت، وتحديدا في خلال فترة سنتيه الثانويتين الاخيرتين، ثم في الولايات المتحدة، أثناء دراسته الجامعية، ليكلل تجاربه النضالية في لبنان، والذي عرف جبهتين عسكريتين : الاولى من الجنوب اللبناني المقاوم ضد اسرائيل . والثانية، جبهة داخلية متنقلة، تحولت صراعا داميا بين أبناء الوطن الواحد، والمقيمين على أرضه .
ويشير المؤلف الى ظروف انتسابه الى ما اصطلح على تسميته ب " السرية الطالبية "، والتي ستتحوّل لاحقا الى " كتيبة الجرمق "، إذ ضمت بين صفوفها مزيجا من الشباب الفلسطينيي واليمني واللبناني والعراقي، ومن مذاهب وديانات مختلفة، من سنة وشيعة ودروز ومسيحيين . وكان من أهدافها الاساسية النضال من أجل تحرير فلسطين، ولكن اشتعال الحرب الاهلية اللبنانية ودخول الفلسطينيين طرفا فاعلا فيها، حوّل العمل المقاوم عن مساره الحقيقي، وانتهت المنظمات الفلسطينية الموجودة على الارض اللبنانية الى أطراف أساسية في إذكاء نار الحرب الداخلية.
ولا يجدي قول الكاتب في سياق قراءته لأحداث تلك الفترة، بالقول ان " السريّة الطالبية "تميزت أثناء الحرب الاهلية اللبنانية بعدم طائفيتها، وبرفضها للتطهير الديني بين الفرقاء. فإنجازاتها العسكرية، تفضح تورطها في حرب داخلية. ويضع الغبرا قارئ سيرته في صورة الاحداث الدامية التي عصفت ببيروت طوال 15 سنة من عمر الحرب. فيستعيد تفصيلاتها بدقة، شارحا ملابسات حدوثها . وواصفا تفاعلاتها، وذاكرا أبطالها، وأنواع الاسلحة المستخدمة.ونتبين أنه تأخذ العاطفة من صموده وصلابته عندما يتذكر الشهداء الذين سقطوا على الجبهات، ويعايش ردات فعل أهاليهم أيضا.
يطلع قارئ كتاب الغبرا على جملة حيثيات وتفاصيل مهمة، عندما تتحول وجهة السرد باتجاه المعارك التي خاضها مع الاسرائيليين، وتحديدا،على جبهات الجنوب اللبناني، المتاخم لفلسطين المحتلة. وينطلق الكاتب في توصيف حي للحروب الاسرائيلية على الاراضي اللبنانية، وللاجتياحات المتكررة على اراضيه، راصدا طبيعة وبشاعة مجازر صبرا وشاتيلا ومعتقل انصار، ويصل إلى مرحلة خروج المقاومة الفلسطينية من لبنان في 1982، بعد الاجتياح الاسرائيلي، معرجا في هذا الخضم على الانشقاقات داخل الصف المسيحي والصف الاسلامي، ومن ثم ليتم تحرير الجنوب اللبناني على يد المقاومين اللبنانيين في العام 2000 .
ويبدي الكاتب تشاؤمه من المستقبل ، ناعيا الحلم الآخذ بالتراجع، أمام الضربات المتلاحقة الي تضعضع اركانه، متخوفا من واقع محدد قادم.
الكتاب: حياة غير آمنة جيل الاحلام و الإخفاقات
تأليف: شفيق الغبرا
الناشر: دار الساقي بيروت لندن 2012
الصفحات: 414 صفحة
القطع: الكبير

