يوثِّق الكاتب السوري جان الكسان في كتابه «المسرح القومي والمسارح الرديفة في القطر العربي السوري 1959-1989» مسيرة المسرح في سوريا من عام 1959 العام الذي ولد فيه المسرح القومي وحتى عام 1989، دون أن ينسى فيذكِّرنا بأنَّ تاريخ المسرح العربي في سوريا قد مرَّ في المراحل الأساسية التالية: مرحلة التأسيس، مرحلة هجرة المسرحيين السوريين الأوائل إلى القاهرة، مرحلة ما بين الحربين العالميتين الأولى والثانية.
مرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية، مرحلة المسارح الرسمية، مسارح الدولة والمنظمات الشعبية والجامعات والمدارس. ويعتبر الكاتب جان الكسان أنَّ المسرح في سوريا قد تأثَّر ولاسيما في مراحله الأولى بمجموعة كبيرة من التيارات الفكرية والفنية من الغرب والشرق، لكنَّه ظلَّ محافظاً على أصالته بسبب ارتباطه بالتراث، وببقية الموروثات التاريخية والدينية والاجتماعية.
ولم يكن هذا التأثير من حيث النص فحسب بل تعدى ذلك إلى بقية الفنون المسرحية حتى وصل في مراحله الأخيرة إلى معطيات المسرح الحديث وأساليبه التجريبية ومدارسه المتطورة، بعد أن أصبح في خدمة هذا المسرح اختصاصيون أكاديميون وبصورة خاصة في الإخراج.
كان المسرح القومي كما كانت وزارة الثقافة التي يتبعها إحدى الثمرات الثقافية للوحدة بين القطرين الشقيقين مصر وسوريا، ففي أواخر عام 1959 دعت مديرية الفنون التابعة لوزارة الثقافة والإرشاد القومي النوادي والفرق الفنية والمعنيين بشؤون المسرح والمهتمين به والعاملين فيه، إلى اجتماع تمهيدي لبحث موضوع فرقة قومية رسمية على غرار فرقة المسرح القومي في مصر.
وقد تمخض عن ذلك صدور القرار "يُنشأ في وزارة الثقافة والإرشاد القومي ثلاثة مسارح يتألف كل منها من فرقة فنية أو أكثر: الأوَّل للتمثيل ويدعى المسرح القومي، الثاني للفنون الشعبية ويدعى فرقة أمية للفنون الشعبية، الثالث للعرائس ويدعى مسرح العرائس. ولقد قدَّم (المسرح القومي) حتى نهاية موسمه 1987-1988 حوالي 120 مسرحية محلية وعربية وعالمية وذلك منذ بداية عروضه عام 1960. وبهذا يصبح أرشيف المسرح القومي سجلاً حافلاً لمرحلة متقدمة في تاريخ المسرح العربي المعاصر.
ونذكر منها مسرحية "براكساجورا" 1960 من تأليف أرستوفانيس إخراج رفيق الصبان التي كانت أوَّل عروضه، "المفتش العام" 1961 لنيكولاي غوغول إخراج هاني صنوبر، "مدرسة الفضائح" 1963 لشريدان إخراج نهاد قلعي، "الأخوة كرامازوف" 1964 لديستويفسكي إخراج أسعد فضة، "الاستثناء والقاعدة" لبريخت إخراج شريف خزندار 1964، "عدو الشعب" لهنريك إبسن إخراج علي عقلة عرسان 1965، "صابر أفندي" لحكمت محسن إخراج عبداللطيف فتحي 1968، "أغنية على الممر" لعلي سالم إخراج محمد الطيب 1970، "الزوبعة" لمحمود دياب إخراج حسين ادلبي 1972، "سهرة مع أبي خليل القباني" لسعدالله ونوس إخراج أسعد فضة 1974.
وقد حقَّقت هذه المسرحية أعلى نسبة في عدد الرواد إذ بلغ الرقم 17356 متفرجاً في حينها، "برج المدافع" لنعمان عاشور إخراج محمد الطيب 1976، "هاملت يستيقظ متأخراً" لممدوح عدوان إخراج محمود خضور 1978، "موت بائع متجول" لآرثر ميللر إخراج محمد الطيب 1980، "القضية" لألكسندر كوبيلين إخراج د- شريف شاكر.
وهي المسرحية الوحيدة التي قدَّمها المسرح القومي في موسم 1981، "كانون الثاني" لراد تبيشكوف إخراج وليد قوتلي 1982، "الزير سالم" لألفرد فرج إخراج نائلة الأطرش 1984، "قصة موت معلن" لماركيز إخراج مانويل جيجي 1985، "كاليجولا" لألبير كامي إخراج جهاد سعد 1986، "توباز" لمارسيل بانيول إخراج يوسف حنا 1987، "سكان الكهف" لوليم سارويان إخراج فواز الساجر 1988. وفي استقراء لهذه العروض التي بلغت 120 عرضاً مسرحياً كما يقول المؤلف : نجد أنَّ هناك 30 مسرحية لكتَّاب سوريين، 18 مسرحية لكتَّاب عرب، 70 مسرحية لكتَّاب عالميين.
ومهما يكن فإنَّ مسيرة المسرح القومي في سوريا، على مدى ثلاثة عقود من الزمن، تعتبر تجربة رائدة في تاريخ المسرح العربي الحديث.
الكتاب: المسرح القومي والمسارح الرديفة
تأليف: جان الكسان
الناشر: وزارة الثقافة السورية دمشق 2012
الصفحات: 263 صفحة
القطع: الكبير

