يناقش كتاب "ما لا يستطيع المال شراءه" لمؤلفه مايكل ج. ساندل، إحدى أكبر المسائل الأخلاقية المطروحة على عالم اليوم والكامنة في الإجابة عن السؤال التالي: هل هناك ما يقلق في عالم كل شيء فيه معروض للبيع؟ وإذا كانت الإجابة عن هذا السؤال بالنفي فهذا يطرح سؤالًا جوهرياً آخر مفاده: كيف يمكننا إذن أن تمنع انتشار قيم السوق في جميع مشارب الحياة؟ بمعنى آخر ينبغي بحث "الحدود الأخلاقية للأسواق"، كما يقول العنوان الفرعي للكتاب.

يبدأ المؤلف بطرح سلسلة أخرى من الأسئلة مثل: هل من الأخلاق دفع مبالغ مالية للبعض "مثل فئران التجارب" من أجل تجريب أدوية جديدة أو ربما لدفعهم إلى "التبرّع" بأعضائهم؟ وهل من الأخلاقي بيع القبول في الجامعات الكبرى بالمزاد العلني؟ وهل من الأخلاقي بيع المواطنة للمهاجرين الذين يبدون استعدادهم لدفع الثمن؟ وأسئلة أخرى عديدة من نفس الطبيعة.

ما يتردد على لسان الكثيرين اليوم هو أن "قيم السوق" أصبح لها الغلبة خلال العقود الأخيرة حيث أبعدت إلى حد كبير "القيم غير التجارية" في جميع ميادين الحياة من الطب إلى التربية والحكم والحقوق والفن والرياضة والحياة الأسرية، بل وحتى من العلاقات الشخصية. هذه المظاهر كلها من تهميش القيم الإنسانية التي كانت سائدة حتى عهد قريب في المجتمعات الإنسانية يرى فيها مايكل ج. ساندل نوعا من "الانزلاق" من "اقتصاد السوق" نحو "مجتمع السوق".

وفي "مجتمع السوق" يغدو مبدأ البيع والشراء هو الذي يحكم إلى درجة كبيرة علاقات البشر. كما يكتسب المال نوعا من "سلطة القرار" فوق جميع مراكزه الأخرى. وتغدو مختلف النشاطات الإنسانية، بما فيها تلك المتعلقة بالإبداع مثل الفن والأدب والموسيقى وغيرها "من اختصاص المال".

تتم الإشارة أن الروائي البريطاني "فاي ويلدون" كتب في عام 2001 عملا طلبته شركة "بولغاري" للمجوهرات. كذلك يعرف الجميع مدى تغلغل عالم المال في عالم الرياضة الذي أصبح "صناعة" بالمعنى العريض للكلمة. باختصار يرى المؤلف أن العالم يعيش اليوم "حقبة انتصار السوق الظافرة".

ويؤكد المؤلف على مدى تحليلات هذا الكتاب أن مسألة "الحدود الأخلاقية للأسواق" هي مسألة مركزية بالنسبة للمجتمعات اليوم ومصيرية بالنسبة لمجتمعات الغد. ولذلك يؤكد على ضرورة نقاشها في منظور الوصول إلى أفضل طريقة للمحافظة على "الصالح العام" ومن أجل بناء مجتمعات "قوية يستفيد منها الجميع".

وبهذا المعنى نقرأ: "إن أملنا الوحيد في محافظة الأسواق بمكانها الطبيعي يكمن في النقاش المفتوح والعام حول معنى السلعة والممارسات الاجتماعية التي نحبّذها. ومسألة الأسواق هي حقيقة تخصّ مسألة الطريقة التي نريد فيها أن نعيش معا".

بالمقابل يؤكّد المؤلف أن النقطة الأساسية هي القبول بوجود "بعد أخلاقي" فيما يتعلّق بقبول تقاسم الحقوق والواجبات في المجتمع والأسواق والعقود التجارية وكل ما يتعلق بعالمها وممارساتها ليست سوى وسيلة لاستمرارية عمل المنظومات الاجتماعية التي تتمايز، إنسانيا، عن "مجتمع السواق" ، ويحدد "مايكل ساندل" مشكلتين رئيسيتين في مجال استخدام الأسواق لأغراض اجتماعية.

المشكلة الأولى هي أن الفقراء لا يستطيعون أصلا استخدام الأسواق. ذلك أنهم "مستبعدون" من المساهمة في العديد من مظاهر الحياة العامة. وعلاج هذه المشكلة يكمن في "استئصال" الفقر من العالم، وهذا الهدف لا يزال من عالم "أحلام" من يقولون به.

المشكلة الرئيسية الثانية هي أن "عولمة العلاقات الاجتماعية تؤدي إلى انخفاض الحساسية الأخلاقية". فمثلا إذا كانت الشركات الكبرى تستطيع دفع المال من أجل الحصول على "حق" إصدار غاز الفحم الكربون- في الأجواء، فإنها تنتهج خطاً يتعارض مع "الواجب الأخلاقي" الواقع على كاهل جميع البشر في العمل على تقليص التلوث ، هذا يعني أن الدفع من أجل التلوث "يعطي الشرعية" لواقع التلوث ويغدو بالمقابل "قرارا اجتماعيا" مغلفا بـ"قرار خاص صرف".

من هنا لم تنجح حتى الآن جميع مشاريع الحد من التلوث الصادرة عن المؤتمرات العالمية العديدة لمكافحة تلوث البيئة. وبهذا المعنى يمكن للمال الذي تملكه الشركات العالمية الكبرى أن "يشتري" ما كان ينبغي أن لا يستطيع شراءه.

 

 

 

 

الكتاب: ما لا يستطيع المال شراءه الحدود الأخلاقية للأسواق

تأليف: مايكل ج. ساندل

الناشر: فارار وستروس وجيرو نيويورك 2012

الصفحات: 256 صفحة

القطع: المتوسط

 

 

What money canصt buy

Michael J. Sandel

Farrar, Strauss and Giroux- New York 2012

256 .P