تعتبر "الطاقة" هى المحرك لسير الحياة للانسان على الأرض، بل وتلعب دورها فى شكل هذه الحياة، من حيث تصميم المنازل ووسائل النقل وحتى ربما نمط وشكل الملابس التى نرتديها.

وقصة اكتشاف مصادر الطاقة وبلوغ الأنواع المختلفة منها، هى قصة كفاح الانسان على الأرض، منذ أن اكتشف "النار" واستخدمها كمصدر للطاقة، وحتى اكتشاف عناصر الطاقة النووية وتوظيفها فى الأراض الحياتية المختلفة. منذ عقدين تقريبا وموضوع استخدام الطاقة النووية مثبرا للجدل فى الوطن العربى، ما بين موافق، الى حد التحمس دون النظر مليا الى "الأمن النووى" وضروراته.

. وبين الرافض الى حد أنه لا يرى فى هذا الموضوع الا الخوف من مخاطر هذه الطاقة، ويقف موضوع الأمن النووى عائقا للتحاور أو الدرس. بينما واقع الحال من حولنا فى العالم العربى، فيه معطيات المبرر لكل منهما. فقد كانت حادثة "تشرنوبل" بالاتحاد السوفيتى القديم فى عقل من يرفض، وهو ما تأكد بحادثة قريبة فى عام2011م باليابان، بعد كارثة الزلزال الأرضى الرهيب، ثم ما استتبعه "تسونامى" مما أدى الى اندفاع مياه المحيط نحو مدينة "فوكوشيما".

حيث انفجرت ثلاث مفاعلات نووية. وما زالت المدينتان تعانيات من آثار التسرب النووى. فى المقابل، فان مصادر الطاقة التقليدية (مثل الغاز والبترول) مهددة بالنفاد، ولنا أن نتخيل صورة مجتمعاتنا بدون تلك المصادر التقليدية من الطاقة. وبالنظر الى الطاقة البديلة باستخدام المصادر المختلفة (الرياح- الشمس- المياه) قد لا تنجح تماما فى توفير الكميات الهائلة المرجوة من الطاقة، خصوصا مع التقدم الصناعى، والنمط الاستهلاكى العربى الآن، وفى المستقبل القريب.

ففى مصر ينتظر أن رصيد المخزون من البترول قد ينضب بعد حوالى 40سنة، وأفادت الدراسات أن انتاج الطاقة الكهربية من الطاقة الشمسية باهظة الثمن، وما زالت تحت التطوير، كما أنها أقل منخفضة الكفاءة. فالطاقة التى نحصل عليها من أى محطة لا تتجاوز 100 ميجاوات، وبالتالى فهى قد تصلح للمناطق النائية التى يصعب الحصول فيها على الطاقة الكهربية. وفى حالة مصر أيضا فان الطاقة المولدة من الطاقة المائية، باتت محدودة الا القليل الباقى، ولا يكفى احتياجات المجتمع. كما لا يبقى سوى استخدام الرياح، وهى لا يمكن الاعتماد عليها كليا مثل الطاقة التقليدية.

بينما هناك تطورا علميا كبيرا يتابع حاليا، معه سوف يصبح نظام الاندماج النووى هو الطاقة النووية البديلة (الآن يستخدم اليورانيوم كوقود للمفاعلات، ولتشغيل المفاعل النووى، وفى استخدام النظام الجديد تستخدم المياه، وهو وقود لا ينضب). وقد بدأت التجارب على هذه التقنية (الاندماج النووى) منذ 60سنة، ونجحت (مجموعة دول أوروبية واليابان) فى انشاء ما يسمى بالمفاعل التجريبى الدولى الحرارى النووى الذى يعمل بالماء).

وينتظر دخوله الى المجال التجارى فى الفترة القريبة القادمة. وهناك تقنية أخرى تسعى لانشاء المفاعلات الصغيرة، تسمى (المفاعلات النيكلونية)، تعتمد فى تشغيلها على عنصر "الهافنيوم"، حيث تنتج تلك المفاعلات أشعة "جاما"، التى بدورها تعمل على توليد الحرارة اللازمة وتشغيل التروبينات وبالتالى انتاج الكهرباء.

لقد شهد العالم خلال السنوات الماضية قفزات هائلة فى مجال الطاقة النووية، فقد بلغ عدد المفاعلات النووية 445، وهناك 35 محطة أخرى تحت الانشاء. وهو ما يشى باتساع مجال الاستخدامات.. بداية من الاستخدام السلمى فى توليد الطاقة والأراض الطبية والأبحاث العلمية وبعض القطاعات الهندسية، الى المجال العسكرى وانتاج الأسلحة النووية. ويبقى أهمية هذا التناول بالنسبة للعالم العربى، ويرى الكاتب عجز العرب حتى اليوم من استحواذ وتوطين التكنولوجيا النووية، وهو ما يرجع الى نقص فى فرص التعليم الملائمة.. غياب التخطيط العلمى، مع غياب التنسيق العربى المشترك..

ميل البعض فى الدول العربية الى ربط الاستخدام النووى بالأسلحة النووى، دون النظر الى الاستخدام السلمى. تتميز الطاقة النووية بالآتى: توليد الطاقة الكهربية بسعر زهيد نسبيا، ومقارنة بالبترول أو الفحم.. الطاقة النووية لا تطلق غازات ضارة فى الهواء وبالتالى لا تسبب التلوث من (ثانى أكسيد الكربون- أوكسيد النيروجين- ثانى أوكسيد الكبريت) وكلها تسببت فى الاحتباس الحرارى الذى يعانى منه العالم الآن.

مع العلم أن مصدر الوقود النووى (اليورانيوم) متوفر بكثافة فى منطقة الشرق الأوسط.. وهو ما يعنى ضمان استمرارية عمل تلك المفاعلات.

ولتحقيق النهضة النووية العربية، فى مجال الاستخدام السلمى وانتاج الطاقة الكهربية، لابد من اجراء الأبحاث العلمية الضرورية لتحقيق الأهداف التالية: تخليق مواد جديدة مثل الزجاج والخزف والأسمنت والسبائك.. العمل على خفض تكلفة انشاء المفاعلات النووية..

عمل البحوث من أجل تحسين أداء المفاعلات والتحكم فى دورة الوقود النووى.. العمل على التخلص من النفايات النووية بطريقة آمنة.. تطوير المفاعلات الصيرة، التى تنتج أشعة "جاما" لأهميتها. ومع كل المميزات التى طرحها الكاتب، عرض بعض الأخطار الواجب تلافيها والعمل على تجاوزها..

حيث أن حادث "فوكوشيما" النووى عام2011م أوضح قدر الخطورة والخسائر التى قد تنتج.. حتى أن رئيس الوزراء اليابانى وصف الحادث بأنه الأسوأ بعد القاء القنابل الذرية على اليابان خلال الحرب العالمية الثانية.كما يجب تعزيز اجراءات الأمن النووى.. مع ملاحظة أن 20% من احتياجات الطاقة الكهربية بالولايات المتحدة، تنتج عن مفاعلات ذنووية، الا أنه منذ عام 1979 لم يتم انشاء مفاعلات جديدة، بعد حادثة هى أقل كثيرا مما حدث فى اليابان.

أما العالم العربى فغالبية الدول لها قدرات ضعيفة نوويا: اثنان بمصر والجزائر أيضا، وواحد بليبيا وسوريا والمغرب. أما الدول الساعية لامتلاك الطاقة النووية: الامارات العربية، والمقرر تشغيلها عام 2017م. وبدأت السعودية فى تنفيذ أحد المفاعلات بعد التعاقد عليه فى 2011م. وهكذا تقترب الدول العربية من امتلاك الطاقة النووى ولكن بحذر.

 

 

الكتاب: مستقبل الطاقة النووية والأمن العربى

المؤلف: د. محمد زكى عيسى

الناشر: هيئة الكتاب المصرية- عام 2012م

الصفحات: 180 صفحة

القطع: الكبير