شاعت بعد انهيار جدار برلين، مقولة مفادها أن "التاريخ قد انتهى" وأن الرأسمالية حققت نصرا نهائيا على الاشتراكية، وبالتالي سادت الولايات المتحدة لمدة عقدين كاملين على العالم أجمع باعتبارها "القوة العظمى" الوحيدة، لكن التاريخ لم ينته بل استأنف بقوّة مساره المضطرب من جديد، والولايات المتحدة التي خرجت منتصرة من "الحرب الباردة" وجدت نفسها في مواجهة "قوى فاعلة جديدة، وواقع جديد"، كما يقول عنوان الكتاب الذي قدمه عن حالة العالم في عام 2012 أستاذ العلوم السياسية في جامعات باريس برتران بادي والصحفي والمؤرخ دومينيك فيدال.

ما يؤكده المشرفان على الكتاب هو أن موازين القوى العالمية قد تبدّلت كثيرا خلال السنوات الأخيرة بفعل العديد من الأحداث والمستجدات الكبرى مثل الأزمة المالية العالمية التي انطلقت في خريف عام 2008 والقفزات الكبيرة إلى الأمام التي انطلقت في خريف عام 2008 والقفزات الكبيرة إلى الأمام التي حققتها البلدان الصاعدة وفي مقدمتها الصين والهند والبرازيل وغيرها. وبالتوازي عرفت الولايات المتحدة أشكالاً من الفشل التي كان أكثرها بروزاً في العراق وقبلها في أفغانستان.

ومن المعطيات الأساسية التي يتم التركيز عليها في التحليلات المقدمة هناك تضاؤل سيادة الدول والوزن المتعاظم للمجتمعات المدنية والدور المركزي أكثر فأكثر للقوى الصاعدة، والانقسام بين الشمال والجنوب، ومكافحة الإرهاب، والأزمات الكبيرة التي يعاني منها الاتحاد الأوروبي والتعطّش الغربي "للتدخّل" ومكانة فرنسا على الساحة الدولية وصعوبة اقتسام الثروات الطبيعية ودور العقائد في العلاقات الدولية. وهذه المسائل كلها يتم التعرّض لها تحت عنوان هو "القوى الفاعلة الجديدة" التي برزت في سياق "واقع جديد" تعرف فيه القوى العظمى الأميركية تقهقرا كبيرا.

ويركز برتران بادي، أحد المشرفين على الكتاب، على وجود "أشكال من القطيعة" يشهدها العالم تبدّت في نوع من "تفعيل" المجتمعات التي عاشت لعقود طويلة في ظل أنظمة دكتاتورية، بعد أن كان قد ساد الاعتقاد أنها: "قد فقدت كل أشكال التعبئة وأنها مصابة بحالة من العجز ومن الانقسام. والإشارة في هذا السياق أن ما عرفته بلدان مثل تونس ومصر وليبيا وسوريا تدعّم الفكرة القائلة إنه يمكن للمجتمعات أن تتحرك دائما بطرق كان يظن الجميع تقريبا أنها قد "نسيتها" تماماً.

ويدعم برتران بادي في بحثه عما يسميه "مسألة الأزمنة السياسية" فكرة أن العالم الغني والمتطور يتحمّل قسطاً من المسؤولية في ازدياد الهوة مع البلدان النامية ثم الصاعدة. ذلك عندما قامت الولايات المتحدة وأوروبا بشكل خاص باتخاذ إجراءات "حماية". وتشكّلت بالتوازي "محاور جديدة للقوة" داخل البلدان الصاعدة نفسها مثّلتها الدول الأربع، الصين والهند وروسيا والبرازيل، التي أرادت أن تفرض نفسها كـ"ناطقة باسم الفقراء ضد الأغنياء"، وذلك أيضا في مواجهة "الخطاب الليبرالي الجديد" الذي أرادت العولمة السائدة فرضه.

ويرى المساهمون في هذا الكتاب عن حالة العالم عام 2012 أنه قد لا يمكن الحديث عن ذلك دون التعرّض لدور "الشبكات الاجتماعية"، وفيما هو أبعد منها إلى مختلف أشكال استخدام "أدوات الانترنت الحديث" في المشهد الاجتماعي- السياسي العالمي.

هذه الأدوات "تفعل في المجال الدولي بما يتجاوز أي إطار وطني للدول، وتنجو بالوقت نفسه من رقابتها". وتتم في مثل هذا السياق الإشارة إلى موقع "ويكليكس" وما ترتب على المعلومات التي نشرها من أصداء على المستوى العالمي.

ومن الظواهر التي يتم التأكيد عليها في حالة العالم القائم اليوم، وجود "دول عرفت نزاعات سابقا ولكنها لا تعرف السبيل نحو الاستقرار" مثل الكونغو، والتأكيد أيضا على "نهاية الأوهام لدى بلدان أوروبا الوسطى والشرقية حيال الاتحاد الأوروبي".

 

الكتاب: قوى فاعلة جديدة، وواقع مغاير

تأليف: برتران بادي، دومينيك فيدال وآخرون

الناشر: لاديكوفيرت- باريس- 2012

الصفحات: 237 صفحة

القطع: المتوسط

 

Nouveaux acteurs, nouvelle donne

Bertrand Badie, Dominique Vidal, etة

La Découverte

- Paris- 2012

237 .p