كانت الهند لفترة غير بعيدة مثالًا للفقر في العالم. لكن تتفق الآراء اليوم أن هذه البلاد "شبه القارة" تصعد بإيقاع سريع على مستوى النمو الاقتصادي. كما يتفقون على أن عشرات، وربما مئات، الملايين من الهنود "خرجوا من الفقر" وأصبح مستوى معيشتهم فوق "مستوى عتبته".

إن الصحافي والكاتب البريطاني اوليفييه بالش يكرّس كتابه الثاني لـ"الهند الصاعدة"، وهو يقدم فيه "قصصا من أمة في طور التبدل. وأسفار في الدولة الحديثة"، كما يقول عنوانه الفرعي. وتتمثل إحدى الأفكار الأساسية في هذا الكتاب بالقول إن "التبدّل هو المفتاح الذي يسمح بفتح أبواب الهند المعاصرة".

ويحدد هدفه منذ المقدمة بالقول: "هدفي الرئيسي هو التعرف على الهند الجديدة". وذلك خاصة عبر إبراز العديد من السمات التي تتصف بها الهند اليوم، والتي تدل على "التوجهات المسيطرة في الهند الحديثة".

ويحدد المؤلف أبرز هذه السمات في "ذهنية إنشاء المشاريع والأمل والتطلّع إلى مستقبل أفضل". والإشارة في الوقت نفسه إلى "الوجه الآخر للميدالية"، الذي يتم تحديده بوجود حالة معممة من "القلق المحتوم الذي يرافق بالضرورة مع كل تبدل سريع وجذري- راديكالي".

هذه السمات يعرضها مؤلف الكتاب، من خلال الأشخاص العديدين الذين قابلهم صدفة أو قدّمهم له آخرون. ويؤكد أنهم يمثلون عينة للاتجاهات السائدة في المجتمع الهندي اليوم. واعتماداً على مثل هذه القناعة يشرح اوليفييه بالش أنه استخدم "النماذج" التي يكتب عنها كـ"وسيلة من أجل عرض تاريخ أوسع وأشمل للهند المعاصرة".

أما الخصوصية الأساسية التي يؤكد عليها المؤلف فهي أن النمو الاقتصادي الكبير و"المستدام" منذ سنوات طويلة وما يترتب عليه من تبدل كبير، إنما يتم في إطار أكبر ديمقراطية في العالم. هذا مع تباين كبير مع الصين "غير البعيدة"، والتي تتم عادة المقارنة بين الحالتين.

"الهند الصاعدة" يراها المؤلف عبر "حكايات هنود عاديين" يعبرون، كل بطريقته، عن الكيفية التي عاش على أساسها التبدل الذي تعرفه بلاده. وتغطي هذه "الحكايات" مختلف مناطق البلاد، حيث قام المؤلف بـ"أسفار في الهند الحديثة"، مثلما يشير في العنوان الفرعي للكتاب.

 ويحدد قصده من ذلك بـ"اصطحاب" القارئ خارج "المناطق السياحية" كي يتعرّف على "شوارع الهند" الموجودة في "عمق" البلدان والمدن والقرى والأرياف الهندية. يتم في هذا الإطار القيام بعملية توصيف للكثير من مظاهر حياة الناس في الهند مثل ملاعب رياضة "الكريكيت" ذات الهوية الهندية بامتياز والمجتمعات التجارية الكبيرة التي شاعت في طول البلاد وعرضها والمدارس المتواضعة في الأرياف والأحياء القصديرية الفقيرة التي لا تزال تتواجد على أطراف أغلبية المدن الهندية الكبرى.

ولا شك أن "الحكايات" التي يقدمها المؤلف عن الهنود اليوم تتسم بقدر كبير من "الذاتية" في رؤية تاريخ البلاد. وهذا ما يعبر عنه المؤلف بالقول إنه يرمي إلى فتح الطريق أمام إمكانية "الولوج إلى عوالم الآخرين". وعبر هذا "رؤية" الهند بكل "تنوعها" و"تناقضاتها" وأحياناً في "تشوشها". ولا يتردد مؤلف هذا الكتاب في الاعتراف أن "المشاعر" و"الأحاسيس" لا تشكل "علماً"، ولكنها تدل على "حالات"، وهذا ما يريد عرضه وحيث إنه لم يفكر أبداً في أن يكون عمله على غرار موسوعة "ويكيبيديا".

كذلك يحدد المؤلف أحد أهدافه من الكتاب في التعريف بالكيفية التي تتطور بها الهند ثقافياً واجتماعياً كنتيجة مباشرة لنموّها الاقتصادي حديث العهد.

 

 

الكتاب: الهند الصاعدة قصص من أمة في طور التبدّل وأسفار في الدولة الحديثة

تأليف: اوليفييه بالش

الناشر: فابر اند فابر- لندن 2012

الصفحات: 352 صفحة

القطع: المتوسط

 

India rising

Olivier Balch

Faber and Faber

London - 2012

352 .p