في كتابه الجديد "بهجة الحكايا..على خطى نجيب محفوظ"، الصادر عن دار الهلال، يحاول الدكتور عمار علي حسن، تقديم عدد من التصورات حول أدب نجيب محفوظ وشخصه، بوصفه "المعلم الأكبر" في مسيرة الرواية العربية، مؤكدًا أن ما جاء في هذا الكتاب ما هو إلا بعض مما تحصل عليه، وارتقى له في الصياغة والتفكير، والاهتمام والانشغال بقضايا الأدب إبداعًا ونقدًا، فارتأى أن يقدمه للقراء، لعلهم يتذوقون معه ويدركون المعاني الكامنة في بعض النصوص الروائية.

ويتساءل عمار علي حسن، لماذا لم يكتب نجيب محفوظ سيرته؟ ثم يحاول استنتاج الإجابة، ويقول: ربما وجد نجيب محفوظ على الشاطئ الآخر من عمره أن مسيرته الحياتية موزعة بنسب متفاوتة على أعماله، مواقف وحالات ورؤى وأشواق وظنون، فآثر ألا يعيد نفسه في سيرة سافرة، لم تكن لتضيف إليه كثيرًا، وخاصة أن من طالبوه بكتابة سيرته الذاتية قصدوا بالذات أن يكتب عن أسراره الشخصية وحياته الخاصة، التي هي ملك له، ولا يجوز لأحد التدخل فيها، ولم يكن يصرح إلا عن نفسه فقط،.

كما قال في أحد الأيام: إن شخصية كمال عبد الجواد، في الثلاثية هي أقرب شخصياته إلى حقيقته، أما آراؤه في الكثير من الأمور فقد خرجت على لسان الشخصيات كما في رواية "المرايا"، التي تطوي بين دفتيها شخصيات رآها وخالطها محفوظ طوال عمره المديد، وكثيرًا ما حرص محفوظ على إخفاء الراوي بين السطور.

وكان لمحفوظ نصيب من اسمه، فقد كان يحافظ على سرية أمور بيته إلى أقصى درجة، ولم يسمح لأحد أن يعرف اسم ابنتيه أو زوجته إلا عقب حصوله على جائزة نوبل عام 1988، وهو في السابعة والسبعين؛ لذا حين أراد آخرون القيام بكتابة جوانب من سيرته ومسيرته الشخصية، متناثرة أو مجتمعة قاموا بانتقائها من نصوص أعماله أو من تصريحاته أو أحاديثه الصحفية، أو من خلال جلساته المنتظمة في الندوات الأدبية، التي كان ينظمها ويقودها على بعض مقاهي القاهرة أو لقاءات مع أصدقائه ومريديه التي صاحبته حتى مشارف موته.

يرى عمار أن خيار محفوظ بعدم كتابة سيرته الذاتية كان صائبًا، ويستشهد على ذلك بالكثير من السير الذاتية التي خصمت من أصحابها، وألقت بظلال ثقيلة على أفكارهم، لما لدى العامة من مشكلة كبيرة في التفرقة بين العام والخاص، في مسيرة منتجي المعرفة والفن، وكثيرًا ما تُجرح القدوة وتصاب في مقتل، بينما منطق الأشياء يقتضي أن يشكل هؤلاء قادة للرأي في مجتمعاتهم.

"كان صاحب ذاكرة لاقطة"..هكذا يصف عمار علي حسن الراحل نجيب محفوظ في كتابه، ويقول: عاش الرجل خمسة وتسعين عامًا، لكنه كان ذا ذاكرة لاقطة منذ كان في الثامنة من عمره وعى المشاهد جميعًا، ونسج تفاصيلها الدقيقة كاملة في أعماله.

وعبر زمن طويل استطاع أن يعرض آلاف البشر بين أبطال لأعماله وشخصيات ثانوية من مختلف الانتماءات والولاءات والخلفيات الطبقية والمكانية، ودرجة التعليم والتصور عن المجتمع والعالم والكون، وقد لفت هذا الأمر انتباه الناقد والمفكر إدوارد سعيد فكتب مقالاً بعنوان "نجيب محفوظ وقسوة الذكرى".

يحمل الكتاب بعض عناوين الفصول التي تبدو محيرة مثل الفصل المعنون بـ"المتحايل" الذي يوضح من خلاله المؤلف كيف أن محفوظ تحايل في التعامل مع السلطة السياسية، واستطاع نقد الحاكم الجائر وفضح فساده، وطرح التصور البديل الذي يرمي إلى وضع حد للسياسات الفاشلة، وذلك عبر وسيلة فنية تحصن الأدب من أن يصير وعظًا سياسيًا فجًا، محولاً رواياته إلى شكل من أشكال المقاومة بالحيلة، وخاصة أن كثيرًا منها كان عامرًا بالرمز وبعيدًا كل البعد عن المباشرة.

اقتنع محفوظ أن المقاومة بالحيلة، تساعد على مجابهة الإذلال والحرمان والإهانات، عبر تطوير ثقافات مستوردة تعد بمستقبل أفضل، سواء كانت "حكمة" تستخلص من التجارب الطويلة المضنية للانبطاح والنفاق البيروقراطي والاستلاب، مثلما فعل في روايات "حضرة المحترم"، "أساطير"، "ليالي ألف ليلة" أو "رؤية" و"رحلة ابن فطومة".

وتمثل مسيرة الراحل نجيب محفوظ مثالاً يحتذى به في الانضباط، والاتزان والدأب، وكلها صفات تبرهن كذب ادعاء من قالوا إن العبقرية والإبداع مرتبطان بالتحلل والهذيان، حيث يقول المؤلف: الجل الأعظم من التميز والتفرد يتكئ على بذل الجهد وتدريب النفس على مشقة العمل الدائم .

 

 

 

 

الكتاب: بهجة الحكايا على خطى نجيب محفوظ

تأليف: د. عمار علي حسن

الناشر: دار الهلال

سنة النشر: 2012 -القاهرة

الصفحات:180 صفحة من القطع الصغير