كاترين، هذا هو اسم أحد أكبر قياصرة روسيا لفترة ما قبل الشيوعية. وكانت روسيا قد عرفت في عهدها انفتاحاً كبيراً على القارة الأوروبية، وعلى ثقافتها، حيث كان العديد من حاشيتها ومن أفراد عائلتها يتحدثون اللغة الفرنسية بطلاقة. سيرة حياة كاترين هذه هي موضوع كتاب المؤرخ روبرت ك. ماسي، الذي يحمل عنوان "كاترين الكبرى، صورة امرأة".
إن المؤلف يعود في كتابة سيرة هذه المرأة التي تمثل أحد أشهر النساء في التاريخ الأوروبي، بل والإنساني كله. هكذا يتحدث أولاً عن تلك الأميرة الألمانية التي كانت تحمل اسم "صوفيا". وعندما كانت في سن الرابعة عشرة، وتحديداً في عام 1744، أخذتها أمها الطموحة، بعيداً عن أسرتها وبلادها وتوجهت بها إلى بلاد غريبة مع هدف واحد وحيد هو أن تزوّجها لأحد الأمراء وينجبا معاً وريثاً.
عندما وصلت صوفيا إلى روسيا قامت أمها أولاً بتغيير اسمها وتعلّمت اللغة الروسية، وتابعت مسيرتها لتصبح المرأة الأكثر ثراءً، والأكثر نفوذاً في العالم. من موقعها كأحد قياصرة روسيا تحت اسم "كاترين الثانية". ومن السمات العديدة التي يؤكد عليها كاتب هذه السيرة في شخصيتها هي أنها كانت "صديقة الفلاسفة الكبار" و"العارفة الخبيرة بالفنون" و"قائدة الحروب العديدة" و"الرائدة في مجال الصحة العامة" و"صانعة الملوك" و"المرأة العاشقة".
ويذكر المؤلف أنه عندما كان عمر كاترين أربعة عشر عاماً أرادت إمبراطورة روسيا "اليزابت" أن تجعلها خطيبة لابنها. وكان ذلك الابن بطرس- بيير شاباً ضعيف الشخصية ومدمناً على الكحول ويعذب من حوله حتى "الحيوانات الأليفة". ويطلق عليه روبرت ماس الصفات التالية: "رعديد وجبان وشديد القسوة ومخادع" وعدد من المرادفات الأخرى.
أدركت كاترين منذ البداية أن حظها عاثر على الصعيد العاطفي الذي وجدت نفسها فيه. لكنها قررت أن تجني أكبر الفوائد الممكنة من ذلك الحظ العاثر. خاصة أنها عاشت طفولة تفتقر إلى الحب، ثم زواجاً "من دون عواطف". هكذا وجدت نفسها مدفوعة للسعي كي "تحب وأن تكون محبوبة" بالوقت نفسه. هذا الجانب من حياة كاترين الثانية يحظى باهتمام كبير من روبرت ماسّي، ويوضّح اختياره لتعبير "صورة امرأة" كعنوان فرعي للكتاب.
وما يؤكده المؤلف هو أن كاترين الكبرى، عاشت علاقات حب مع 12 رجلاً، كان أربعة منهم يسترعون الانتباه من حيث الأهمية التي اكتسبوها في المجتمع، وعلى رأسهم غريغوري بوتمكين، الذي وصفته كاترين نفسها أنه "أحد الأكثر عظمة، ومن بين الأكثر غرابة والأكثر قدرة على التواصل مع الآخرين. وكانت كاترين قد كتبت له ذات مرة: "لقد أخذت حبلاً وربطت به حجراً ثم علقته برقبة كل شجاراتنا ثم ألقيته في البحر".
استمرت فترة حكم كاترين الثانية لروسيا القيصرية مدة 34 عاماً خلال القرن الثامن عشر. وقد كانت، كما يصفها المؤلف إمبراطورة التنوير، التي أدخلت الفلسفة الفرنسية إلى قصور بلادها، وخاصة "ديدرو" وموسوعته الشهيرة، والذي دعته لزيارة سان بطرسبورغ، مقر القيصر آنذاك، حيث مكث مدة ستة أشهر كاملة. ويشير مؤلف الكتاب أنه رغم تجاهل كاترين الثانية لنصائح ديدرو. فإن مجرد دعوته لزيارة روسيا القيصرية ساهمت كثيراً في تغيير صورة الشرق الروسي، الذي لم يكن الغربيون يرون فيه سوى بلاد الصقيع والذئاب.
ويذكر المؤلف في نفس سياق انفتاح كاترين الثانية على أوروبا وثقافتها، أنه عندما احتاج الفيلسوف الفرنسي فولتير لمبلغ من المال كـ"مهر" لابنته، قامت كاترين الثانية بشراء مكتبته. وأرادت لمحتوياتها أن تكون بعض مقتنيات مكتبة متحف "الارمتاج" في بطرسبورغ والذي يعتبر أحد أهم متاحف العالم، هذا إذا لم يكن الأكثر أهمية بينها حيث إنه "يتفوق" على متحف "اللوفر" في باريس.
كذلك يؤكد المؤلف في الإطار الخاص بمساهمات كاترين الثانية في إثراء البعد الثقافي لروسيا القيصرية أنها أولت انتباهاً خاصاً للتربية في بلادها. وبعد أن يروي المؤلف الكثير من التفاصيل عن رحلة "كاترين" من مرفأ "ستيتين" في البلطيق إلى البلاط الإمبراطوري في سان بطرسبورغ يتوقف للحديث عن "العلاقات المعقدة والعقيمة" التي عرفتها مع الإمبراطورة الأم "اليزابت" التي رأت في "الفتاة الهاربة" نسخة عنها.
والتأكيد في المحصلة أن "كاترين الكبرى" حققت الكثير من الإنجازات لبلادها ولعصرها، ولكنها عانت الكثير من الإخفاقات في حياتها الشخصية. هكذا جمعت كما يقول المؤلف، بين شخصيتي "الإمبراطورة" و"المرأة"، كما بدا من خلال مسيرتها، خلال ما يزيد على ثلاثة عقود أمضتها على رأس روسيا القيصرية.
لقد بلغت كاترين الكبرى أعلى مراتب المجد وأدخلت الثقافة الأوروبية إلى روسيا القيصرية. وكانت باختصار الإمبراطورة- المرأة التي دفعت بلادها إلى ولوج دروب الحداثة. هذه هي النتيجة النهائية التي يصل إليها مؤلف الكتاب، الذي يقدم سيرة حياة "بطلته" فيما يشبه إحدى روايات القرن التاسع عشر. "لقد كانت امرأة وإمبراطورية"، كما يقول.
الكتاب: كاترين الكبرى.. صورة امرأة
تأليف: روبرت ك. ماسي
الناشر: راندوم هاوس لندن 2011
الصفحات: 656 صفحة
القطع: المتوسط
Catherine the Great
Robert K. Massie
Random House
London - 2011
656 .p
