في أساطير بلاد الرافدين كان الكون كله عبارة عن (دولة) تحكمها الآلهة، فإله السماء (إنو) يصدر الأوامر، وإله العاصفة (إنليل) ينفذ الأحكام الإلهية بالبشر. وأما فكرة نمو الدولة فهي، في الحقيقة، ثمرة من ثمرات الإصلاح الديني في أوروبا القرن السادس عشر، وقد قادها مارتن لوثر الألماني، وجان كالفن السويسري، ولم يلبث الإصلاح الديني أن تطور إلى ثورة ضد تكبيل العقل بقيود الوحي كما يصوغُه مذهبُ الكنيسة، ثم لم تلبث حركةُ التنوير أن تطورت إلى ثورة سياسية ضد استبداد الكنيسة بالسلطة، فبرزت (العَلمانية) التي يكمن سرها في فصل الدين عن الدولة.
واستمر الصراع بين سلطة الكنيسة والدولة حتى تدخلت الثورة الفرنسية بـ(العنف الثوري) وحسمت الصراع لصالح العَلمانية.وفي سبيل تتبع المبادىء الأساسية لـ(فلسفة الدولة) نقرأ أن لويس الرابع عشر كان يقول: أنا الدولة!.. ولويس الخامس عشر قال: إن النظام العام كله ينبع مني، وإن كل حقوق ومصالح الأمة متحدة بالضرورة مع حقوقي ومصالحي، رغم كون القوى المناوئة تحاول جعلها منفصلة عن الملك. وأما ملك اليابان (الميكادو) فاعتبر نفسه إله الشمس الذي يحكم الكون كله.
والكنيسة في أوروبا القرون الوسطى نظمت نفسها تنظيماً مستقلاًً حرم الملوك من الصفات الإلهية، ولكنهم، أي الملوك، اعتبروا أنفسهم مختارين من الله، وأن سلطتهم مستمدة من لدنه. ولكن هذه النظرية أخذت تتداعى تدريجيا مع انبثاق الديمقراطية في العصر الحديث، وأخذت تترسخ فلسفة الدولة على أسس مفاهيمية، وعلى أن تُستمد السلطة من الشعب، وليس من الدين.
والدولة، عند ريمون بولان، هي حضارة تفصح عن نفسها في مؤسسات ينظمها القانون، وعند جورج بوردو هي صاحبة السلطة الدائمة التي يتعاقبُ الحكام- بصورة عَرَضية على ممارستها، وعَرَّفها لاسكي بأنها: المجتمع الذي تعيشُ فيه مجموعة من البشر سوياً، ويعملون معاً من أجل مصالحهم المشتركة.
وأما ماركس وتلاميذه فقد رأوا أن تحديد الدولة وتشكيلها ينجم عن تقسيم مادي، وحتمية تاريخية تكون فيها المؤسساتُ السياسية انعكاساً لتقنيات الإنتاج وأساليبه، إضافة إلى البنية الفوقية التي تضم الأخلاق والدين والقانون والفنون.. إلخ.
ويحتل (الإقليم) المكانة الأساسية، ضمن الشروط الموضوعية التي تتكون منها الدولة، وقد دأب الحكامُ، عبر التاريخ، على تجميع ملكية إقليمية وضمان توحيدها الداخلي من أجل ضمان توفر هذا الشرط.
في بداية تشكل الدول كان المقصود بمصطلح (تأهيل الإقليم): أشغال الري، وبناء السدود، وتجفيف المستنقعات، وشق الطرق، أما في المجتمعات الحديثة فيُقصد به: التوازن الاقتصادي والروحي لسكان الإقليم، واتِّباع سياسة تنموية متوازنة بحيث لا ينتهي الأمر إلى حرمان منطقة جغرافية ما من انتشار الصناعة وشق الطرق ووسائل الاتصال.
ومن الشروط البدهية لتشكل الدولة: (الشعب)، وهو مجموعة من الأفراد الذين ينتمون إلى الدولة بعلاقة قانونية عَرَّفَها القانون الدولي بـ(الجنسية)، وأكد الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الذي أعلن في باريس (1948) أن لكل إنسان الحق بأن يتمتع بجنسية.
وأنه لا يجوز نزع الجنسية عن أي إنسان. وثمة فرق بين الدولة بوصفها كياناً سياسياً، والأمة بوصفها كياناً قومياً. وقد تكون الأمة مجتمعة في دولة واحدة، أو في عدة دول كما هو حال الأمة العربية، على سبيل المثال. و(السلطة) هي أهم مكون من مكونات الدولة، بدليل أن المؤرخ "بريلو" قد عرف الدولة بها، وأضاف: إن الدولة تنظيم لسلطة القهر.
والسلطة هي التي تُحَوِّلُ الشعبَ إلى دولة، باعتبار أنها تمتلك وسائل الإكراه اللازمة لتنفيذ أوامرها، وهي، بالتالي، تستند إلى القوة المادية، وأحياناً تزول مبررات وجود الدولة، ولكنها تستمر بفعل السلطة فقط. إن أهم ما يميز الدولة الحديثة احتكار القوة العسكرية تأكيداً لسلطتها العليا، وهي تنهار بمجرد أن تقوم بداخلها منظمات عسكرية قوية، وهذا ما حدث فعلاً في جمهورية ألمانيا في أعقاب الحرب العالمية الأولى، حينما سمحت بإنشاء منظمات عسكرية للحزب النازي، فهذه المنظمات سرعان ما استولت على السلطة. ويعتبر مبدأ (الشرعية) الطابع المميز للسلطة الحديثة، فقد انتهى العهد الذي كانت فيه الدولة مستبدة لا يَخضعُ فيها الحكامُ للقانون.
وأما الدستور فهو ليس نتاج فلسفة السلطة، وإنما هو نتاج فلسفة الحكم الرشيد، إنه تكريس لفلسفة حرية الأفراد، وفلسفة النظام الديمقراطي الحر.
الكتاب: النظرية العامة للدولة الحديثة
المؤلف: محمد رعدون
الناشر: دار حوران دمشق 2012
الصفحات: 500
القطع: كبيرة
