الصفة الغالبة على المجتمعات الحديثة هي أنها مجتمعات ذات طبيعة استهلاكية بالدرجة الأولى. وأنها تنظر إلى الإنسان كـ"سلعة" أكثر مما هو كـ"قيمة". هكذا اجتمع أكثر من 50 إخصائياً كي يشرحوا "كيف نخرج من مجتمع الاستهلاك؟"؛ وهؤلاء ينتمون إلى مختلف مناطق العالم ويعملون في مشارب مختلفة. العنوان الفرعي لهذا الكتاب يخص "حالة العالم" كما يقدمها معهد "وورلد ووتش" في أحد تقاريره التي تتم ترجمتها عامة إلى العديد من لغات العالم، منذ أواخر سنوات 1980. وهذا المعهد يقدّم كل سنة عملاً جامعاً بصيغة كتاب سنوي يعدّه الباحثون في إطار نشاطاته، حيث يشرحون فيه بـ"الأرقام" أثار السلوك الإنساني على كوكب الأرضي ذي الموارد المحدودة.
تتوزع مواد هذا الكتاب بين سبعة محاور رئيسية تبحث بالتتالي في "عظمة المجتمعات المعاصرة وانحطاطها"، و"التقاليد الماضية والتقاليد المستقبلية" و"مهمة جديدة من أجل المدرسة: تعليم التنمية المستدامة" و"الاقتصاد نحو أولويات جديدة" و"مفهوم آخر للحكم" لـ"وسائل الإعلام، أدوات الاستقرار" وأخيراً "سلطة حركات المواطنة".
وتحت عنوان "كيف يمكن لما هو أقل أن يعني ما هو أكثر" تشرح الباحثتان "سيسيل اندرو" و"راندا اربانسكا"، أن البساطة التي يتم اختيارها بمحض الإرادة في نمط العيش تمثل "فلسفة قديمة قدم العالم". ومضمونها الأساسي يقوم على القول إنه "ينبغي الابتعاد عن السعي للحصول على المال والسلع المادية من أجل العيش بطريقة أكثر عمقاً، والتخلي عن الثروات الخارجية لبلوغ ثروة داخلية أكبر وأعظم.
وبهذا المعنى يمكن لما هو أقل أن يعني قدراً أكبر من السعادة". وعلى المستوى الجماعي تؤكد الكاتبتان أن ما يُدخل السعادة على قلوب البشر يكمن في إقامة علاقة وثيقة مع الآخرين. بهذا المعنى أيضاً لا تعني البساطة التي يتم اختيارها إرادياً "تضحية"، كما يردد البعض.
ويتم تحديد "المؤشر الأفضل على صحة بلاد ما" أنه يقاس على أساس الفارق في الحالة الصحية بين الأغنياء والفقراء. ذلك أن آثار هذه الحالة تمس الجميع، كما أن "عدم المساواة الصارخة" تهز التلاحم الاجتماعي نفسه. ويتم تحديد القول في هذا الإطار أن ظاهرة "نقص الاحترام" في المجتمعات الاستهلاكية القائمة التي تكتسي فيها المكانة الاجتماعية أهمية كبيرة يؤدي أي "نقص الاحترام" إلى خلل في حياة الأشخاص وفي حياة المجتمعات نفسها.
إن الخروج من حالة القلق التي تتسم بها المجتمعات الاستهلاكية تكمن، كما تدل التحليلات المقدّمة، في إعطاء الفرد "رغبة العيش بكل بساطة". والتأكيد في الوقت نفسه أن مثل هذه المقاربة تذهب باتجاه تعزيز الحريات الشخصية. وتنتهي الكاتبتان إلى القول إن "الهدف ليس في دفع الأفراد للاستهلاك بدرجة أقل فحسب، لكن أيضاً دفعهم للمساهمة في التغيير الاجتماعي عبر تبنّي بعض القيم كأولويات، وخاصة قيمة الانتماء إلى المجموع".
ويشرح الباحث "مايكل هـ. شومان" في مساهمته عن الاقتصاد كيف أن بلدة بيليتغهام، في ولاية نيويورك الأميركية، تجرّب منذ عشر سنوات استراتيجية بعيدة تماماً عن "الهموم التقليدية الكلاسيكية" الرامية إلى جذب الشركات ذات البعد الدولي. وتقود التجربة جمعية "لا تهدف للربح" بالاعتماد على الشركات المحلية وعبر "تنظيمها في شبكة تعاونية قوية"، وتتم الدعاية لهذه الصيغة عبر حملات دعائية تدعو لإعطاء الأفضلية "لما هو محلي أولاً". لذلك 69% من المستهلكين يتنبّهون للصفة "المحلية" لشركات الإنتاج و58% من الشركات أعادت النظر في "عاداتها الاستهلاكية"، بحيث تقترب أكثر من السمة المحلية. وخلال عام واحد فقط من تطبيق التجربة زادت نسبة المبيعات المباشرة لمزارعي الجمعية بنسبة 125%.
وصيغة أخرى لـ"الخروج من مجتمع الاستهلاك" يحددها الباحث "جوناتان داوسون" بتجربة "مدارس القرى وتحويل القيم"، كما يقول عنوان مساهمته. ويتم تحديد "مدرسة القرية" بالصيغة التالية التي صاغها "روبرت جيلمان" عام 1991 وجاء فيها: "إنها مجموعة مزودة على الصعيد الإنساني بكل ما هو ضروري لممارسة النشاطات الإنسانية بالاندماج مع العالم الطبيعي، دون المساس به بصورة تضمن تنمية سليمة للأفراد خلال مدى زمني محدد".
البحث عن الاستقرار
إن الباحثين في هذا الكتاب يشرحون آليات عمل المؤسسات القائمة في ميادين المنظومة التربوية ووسائل الإعلام والاقتصاد والسلطات العامة والمؤسسات الثقافية وحركات المواطنين. ويركزون جميعاً على تحليل كيفية الخروج من الأوضاع الحالية "القلقة"، للانتقال إلى حالة أكثر استقراراً.
المشرف في سطور
يحمل أريك اسادوريان الجنسيتين الأميركية والفرنسية. وهو أحد المشرفين على التقرير السنوي الصادر عن "معهد نظرات على العالم". وهو أخصائي في مجال آليات التحول الثقافي. له دراسات عديدة حول "صعود الثقافات المعاصرة وانحطاطها" و"آليات تحوّل المجتمعات" .
الكتاب: كيف نخرج
من مجتمع
الاستهلاك
تأليف: اريك
اسادوريان
وآخرون
الناشر: لامارتينيير
باريس 2011
الصفحات: 567 صفحة
القطع: المتوسط
Comment sortir de la société de consommation
Erik Assadourian etة
La Martinière - Paris- 2011
567 .P
