يكشف الكاتب الصحافي إسماعيل النقيب في كتابه "أسرار الزعماء وفضائح العملاء" عن جزء مجهول من حياة أشخاص تولوا المسؤولية في لحظات حرجة من تاريخ الوطن، وهو في جانب آخر يعقد موازنة بين طبيعة الوزراء وأخلاقهم في الستينات والسبعينات، وما نراه الآن من آثار لوزراء حقبة الرئيس السابق مبارك؛ فالكتاب يسرد جزءاً مهماً من تاريخ مصر، من خلال التركيز على شخصيات لعبت أدواراً مختلفة في صنع هذا التاريخ، فمنهم رؤساء الوزراء، والوزراء وشخصيات عامة، اقترب المؤلف منهم لحظة تحملهم المسؤولية، والأهم أنه كان قريباً جداً من اللحظات التي يرى المسؤول نفسه في مواجهة "العزل" من منصبه، سواء بالمواجهة المباشرة مع القيادة السياسية أو بالدلائل التي تشير إلى موعد اقتراب اللحظة الفارقة بأن ينتقل إلى خانة وزير سابق.

أحد فصول الكتاب مخصص للمهندس "كمال حسنين" وزير المواصلات، يقول عنه إسماعيل النقيب إنه نموذج فريد من الوزراء، مكث في الوزارة قليلاً، وبعد أيام من تولي منصبه عرف أنه لن يستمر فيه، ورتب حاله على ذلك، ولذلك مثلما جاء في هدوء خرج في هدوء!

والمهندس كمال حسنين من أكفأ المهندسين في الاتصالات السلكية واللاسلكية، مما جعل منظمة الاتصالات السلكية واللاسلكية التابعة للأمم المتحدة ومقرها جنيف تستعين به؛ فغاب عن مصر سنوات، وفي إحدى الليالي رن جرس التليفون في بيته في جنيف، فقال له المتحدث: "السيد ممدوح سالم هيكلم سيادتك يا فندم"، فرد: "من ممدوح سالم.. أنا لم أعرف أحداً بهذا الاسم، ولم أسمع بهذا الاسم في حياتي"، وإذا بصوت آخر يقول: "أنا ممدوح سالم يا أخ كمال".

فقال المهندس كمال: حضرتك بتشتغل إيه، وعاوز إيه؟ فقال: أنا رئيس الوزراء في مصر، وأنت رُشحت لتشغل منصب وزير المواصلات، ومن فضلك تحضر فوراً من أجل حلف اليمين، فرد المهندس كمال: حاضر!

ويروي المهندس كمال حسنين باقي الأحداث: "وسافرت إلى مصر، والتقيت برئيس مجلس الوزراء، وحضرت المشاورات واجتمع الرئيس السادات بالوزارة بعد حلف اليمين، وذهبت إلى مكتبي من أجل العمل، وإذا بالصحافيين يريدون تصريحات مني، فقلت: "مفيش تصريحات لأنني لسه جديد، وعندما أنجز شيئاً أو أعمل عملاً سأعلنه، ولكنني قرأت بعدها "وزير المواصلات الجديد يعلن عن خطة جديدة لإصلاح التليفونات، وكلام كثير!

فقررت ألا أعطي تصريحاً، وأقسمتُ ألا تُنشر لي صورة، ومادام رجال الصحافة يؤلفون من عندهم دون لقاء، فليفعلوا، وهذا هو السر في أن أحداً لم يعرفني، ولم أعرف أحداً؛ وبعد فترة قصيرة جاءني من يقول: بهذه الطريقة لن يكون عمرك في الوزارة طويلاً.. فقلتُ: "أنا حاسس كده".. وحدث وخرجتُ من الوزارة!

كما يتحدث إسماعيل النقيب في أحد فصول الكتاب تحت عنوان "الدكتورة عائشة راتب وزيرة الشؤون الاجتماعية" عن هذه السيدة الفاضلة التي خرجت من الوزارة؛ لأن العصر الذي جاءت فيه لا يسمح لها بما تريد أن تقول، ولكنها قالت كلمتها وتوكلت على الله؛ حدث ذلك بعد أحداث 18 و19 يناير 1977، عندما قامت حكومة ممدوح سالم فجأة وسراً برفع أسعار السلع الأساسية، وهاجت الدنيا، وقامت المظاهرات من الإسكندرية إلى أسوان، وفرضت الحكومة حظراً للتجول في يوم 20 يناير، وتحدث الرئيس أنور السادات عن هذه المظاهرات بوصفها: "انتفاضة الحرامية"، وتراجعت الحكومة عن رفع الأسعار، وتقرر عقد اجتماع عاجل لمجلس الوزراء برئاسة ممدوح سالم.

وفي الاجتماع بدأت الدكتورة عائشة راتب وزيرة التأمينات والشؤون الاجتماعية الحديث، واعترضت على ما يقوله الرئيس السادات، وقالت: إن ما جرى في البلاد إنما غضب جماهيري، ولا بد أن نعمل له حساباً لأننا أخطأنا، ولا بد أن نسمع ما يقوله الناس، وكلام الرئيس أو كلام الحكومة لا يؤخر ولا يقدم، والناس جميعاً على حق، ونحن نزيِّف الحقائق، لا بد وأن نصدُق مع الناس حتى يصدقنا الناس!

وكان لا بد وأن تدرك الدكتورة عائشة راتب أنها خارجة من الوزارة لا محالة، ولم تكن في حاجة إلى أن يخبرها بذلك أحد.

كما يتناول الكتاب قصة دخول المهندس عثمان أحمد عثمان إلى الوزارة في عهد الرئيس السادات ثم خروجه منها؛ فيروي إسماعيل النقيب أن هذا الوزير جاء إلى الوزارة وحده، وخرج منها وحده، فهو لم يُعين في تشكيل وزاري، ولم يخرج في تعديل وزاري، كل ما في الأمر أنه جاءه رسول يخبره بأن الرئيس السادات يريده، وعلى الفور ذهب لمقابلته، فقال له السادات بلا مقدمات: احلف الآن اليمين الدستورية أمامي، فأنت نائب رئيس الوزراء ووزير الإسكان، وحلف اليمين ومضى يؤدي دوره؛ وفي خلال عمله صدر له كتاب بعنوان "تجربتي"، وهو نوع من السيرة الذاتية، وفيه حكايات عن عهد عبدالناصر، وأثيرت حوله ضجة كبيرة لم تهدأ إلا بصدور قرار بعزله تهدئةً للخواطر.

 

الكتاب

في حديث للكاتب إسماعيل النقيب عن وزراء حقبتي الستينات والسبعينات في مصر إطلالة باذخة على تلك الحقبة، تجعلنا دون أن ندري نعقد مقارنة بينهم وبين من حملوا الحقائب الوزارية في عهد الرئيس السابق مبارك، ونحن نعاين هذا الكم الكبير من قضايا الفساد التي اتُهموا فيها. ويفتح الكاتب خزانته المعرفية ليسرد علينا في هذا الكتاب جانباً مهما من تاريخ مصر الحديث، مقترباً من مراكز صانعي القرار السياسي في لحظات صعودهم وهبوطهم، وهكذا نتوقف أمام خبايا الحقائب الوزارية، من خلال سرد المؤلف لوقائع أقرب للأسلوب الروائي.

 

المؤلف في سطور

الكاتب الصحافي إسماعيل النقيب من مواليد الحادي عشر من يونيو 1937 بالقنايات بمحافظة الشرقية. التحق بكلية الآداب قسم الصحافة جامعة القاهرة، وبعد حصوله على الليسانس عمل بجريدة أخبار اليوم، محرراً صحافياً في صفحة الأدب ثم الشؤون العربية، ثم مندوباً لدى وزارة الخارجية ثم تولى رئاسة القسم العربي والدبلوماسي، ثم نائب رئيس تحرير أخبار اليوم.

له مؤلفات عديدة منها: في شارع الأيام، الحب والكلمات، إلى مجهولة العنوان، قراءة الأشواق في عيون العشاق، مع الظرفاء، كلام والسلام، ليالي قصر الكلاملك، صدام وسماسرة الكلام، رواية الحب في الزمن الخطأ، غشيم في دنيا الحريم، وغيرها.

الكتاب: أسرار الزعماء

وفضائح العملاء

تأليف: إسماعيل النقيب

الناشر: الهيئة المصرية

العامة للكتاب

القاهرة2012

الصفحات: 160 صفحة

القطع: الصغير