تسعى الدكتورة إيمان حسني، عبر صفحات كتاب "الشباب والحركات الاجتماعية والسياسية" إلى رصد طبيعة العلاقة بين الإعلام ومواقع التواصل الاجتماعي بالحركات السياسية والاجتماعية، فقد شهدت مصر في السنوات الأخيرة تحوّلات مهمة فيما يتعلق بأجندة القضايا، والنقاشات المطروحة في المجال العام، على نحو يميل إلى تفعيل ثقافة حقوق الإنسان وقضايا الحريات، وأشكال المشاركة السياسية غير الاعتيادية للمواطنين.
في محاولة لكسر جمود دائرة صنع القرار السياسي في البلاد، ونمطية أشكال المشاركة السياسية التقليدية من خلال الأحزاب والاتحادات والنقابات، من أجل إعادة الاعتبار لرأي المواطن العادي واتجاهاته وقيمه وحقوقه ومصالحه، وهو ما ارتبط بظهور عدد غير مسبوق من الحركات الاجتماعية والسياسية، والاحتجاجات المجتمعية الفئوية، التي مارست أنشطتها المختلفة في مختلف أنحاء الوطن، على نحو أدى في تطوره إلى اندلاع ثورة 25 يناير 2011، وحدوث تغير كبير في الصورة التاريخية النمطية للمصري الخاضع المستكين.
وفي هذه الأجواء الساخنة برزت وسائل الإعلام كفاعل رئيسي في المجال العام، يتوسط المنطقة الفاصلة بين الأطراف الرسمية من جهة، وحركات وجماعات الاحتجاج من الجهة الأخرى، وساهمت وسائل الإعلام الحديثة، والمتمثلة في الصحف الخاصة والفضائيات والإنترنت، في التعبير عن غضب واستياء المواطنين، وقد أدى الخطاب الصحفي الموازي المنشور في الصحف المصرية دورا مهما في تحرير المجال العام المصري، وتعاطيه مع هذه الحركات الصاعدة، وهو ما تجلى في تأطير عملية الاحتجاج الاجتماعي وخلق الوعي الحقوقي، وكسر التابوهات السياسية ونشر أفكار وقيم ثقافة الاحتجاج.
كما أدى دورا ملحوظا في التعريف بمطالب ومشاكل المحتجين، وحمل شكواهم ومطالبهم إلى الرأي العام والمسؤولين الرسميين، وأبرز العديد من القضايا المسكوت عنها في الخطاب السياسي العام، وأدار مناقشات نقدية لمختلف قضاياه وأفكاره، في محاولة لخلق رأي عام متعاطف ومؤيد لهذه الحركات، وشارك في عملية الحشد والتعبئة العامة لتحركات المواطنين الاحتجاجية، التي وقعت في الفترة من أواخر عام 2006، ولا تزال مستمرة حتى الآن.
وتتناول الدكتورة إيمان حسني بالتفصيل، دور الإعلام في عملية التغيير الاجتماعي السياسي الديمقراطي، وتعبئة الإرادة العامة للتغيير والإصلاح، فتؤكد أن هناك مجموعة من المحددات والضوابط التي تحكم تأثير وسائل الإعلام على عملية التغيير السياسي؛ من أبرزها أن دور وسائل الإعلام في إدارة الصراعات السياسية الداخلية يتأثر بمتغير رئيسي، وهو مستوى سيطرة الطرف القوي، متمثلًا في السلطة الحاكمة على البيئة السياسية؛ وأيضا وجود قوى معارضة بديلة ذات مصداقية، وترغب في إجراء التغيير، وثالثًا شكل العلاقة بين المحتجين ووسائل الإعلام المحلية والقوى السياسية الخارجية، وأخيرًا تاريخ وسائل الإعلام في البلاد وخبراتها في التعامل مع الأوضاع السياسية.
كما تشير مؤلفة الكتاب إلى التغير الذي طرأ على مفاهيم وطرق بناء وعرض الموضوعات السياسية في وسائل الإعلام، حيث زادت معدلات التغطية السلبية للشؤون السياسية، وتصاعدت الاتجاهات النقدية في المعالجة، ويرجع ذلك إلى تفعيل آليات تسويق الأخبار، التي عمدت إلى التحول من السرد التقريري للأحداث إلى مساحات الاستقصاء والنقد والإثارة، كما أن الأخبار شهدت تغيرًا ملحوظًا في بعض خصائص التغطية الإخبارية، مثل الاتجاه نحو خلق مصادر صحفية جديدة وغير تقليدية.
كما تناولت المؤلفة مستقبل الحركات الاجتماعية والسياسية الجديدة في مصر، مؤكدةً على أن مستقبل هذه الحركات مرهون إلى حد كبير بمدى قدرة هذه الحركات على حشد دعم وتأييد مختلف القوى المجتمعية الأخرى لها، كما أنه يرتبط بمدى قدرة هذه الحركات على تطوير نفسها وآليات عملها، لضمان تزايد تلاحمها مع قوى التغيير، وتعبئة الإرادة العامة للتغيير، ومن جانب آخر فإنه مرهون بمدى وعي الرأي العام المصري، وقدرته على تمييز دعاوى الإصلاح والتغيير، وتأييد الأفضل فيها.
الكتاب
يرصد هذا الكتاب تنامي الحركات السياسية والاجتماعية والاحتجاجات المجتمعية، ولاسيّما المتمثلة في فئة الشباب المصري، والتي شهدتها مصر في السنوات الأخيرة، كانت الشرارة الرئيسية لاندلاع ثورة 25 يناير، باعتبارها نتيجة حتمية لذلك الحراك السياسي والاجتماعي المصري، ويلقي الكتاب الضوء على علاقة الإعلام ومواقع التواصل الاجتماعي بهذه الحركات السياسية والاجتماعية، وذلك لتأسيس وضعية نظرية لطبيعة تلك العلاقة.
المولف في سطور
الدكتورة إيمان محمد حسني عبد الله، ولدت في مصر عام 1977، وحصلت على بكالوريوس الإعلام من قسم الصحافة بجامعة القاهرة عام 1999، وتعمل الآن مدرسًا بكلية الإعلام. كتبت العديد من الأبحاث الإعلامية التي تتمحور حول الحركات والأنظمة الاجتماعية وقضايا الرأي العام والتغيير الاجتماعي، والانتفاضة الفلسطينية الثانية والصحافة العربية والدولية.
الكتاب: الشباب
والحركات
الاجتماعية
والسياسية
تأليف: د. إيمان محمد
حسني عبد الله
الناشر: الهيئة المصرية
العامة للكتاب
القاهرة 2012
الصفحات: 366 صفحة
القطع: الكبير
