بتاريخ 13 ديسمبر من عام 2006، قدّمت القناة التلفزيونية البلجيكية الأولى التي تبث برامجها باللغة الفرنسية برنامجا تحت عنون "إلى اللقاء بلجيكا- باي باي بلجيكا". وقد جرى الإعلان المسبق على بث ذلك البرنامج بتنبيه المشاهدين أن ما سيرونه هو "محض خيال". لكن ذلك لم يمنع واقع أن الصيغة التي تمّ تقديم البرنامج فيها من استخدام "ديكور" نشرة الأخبار المتلفزة كما تعوّد أن يراها المشاهدون البلجيكيون ووجود مقدم برامج شهير معروف بجديته ورصانته ومداخلات سياسيين معروفين في بلجيكا، ووجود فرق لاستطلاع الآراء في الشوارع، أعطى كله الانطباع أن الأمر يتعلق بـ"واقع" وليس بـ"خيال".
كان الموضوع المعلن لذلك البرنامج التلفزيوني هو "نهاية بلجيكا وإعلان منطقة فلندرة استقلالها". ومع الإعلان على هيئة "شريط إخباري" تحت عنوان "عاجل" أن فلندرة انفصلت عن بلجيكا عاشت البلاد "أمسية مجنونة"، واعتقد الكثير من البلجيكيين أن الخبر يدل على واقع الأمر، وليس مجرّد "سيناريو خيالي". ذلك البرنامج هو بالتحديد موضوع كتاب الباحث الفرنسي بالإستراتيجيات الإعلامية "سيرج شيك" الذي يتعرّض فيه لآليات عمل رسائل الإعلام على الرأي العام.
والكتاب يحمل عنوان "اليوم الذي زالت فيه بلجيكا". ويشير المؤلف بداية أن وجه الشبه واضح بين البرنامج التلفزيوني المعني وبين البرنامج الإذاعي الذي كان قد قدّمه الممثل اورسون ويلز عام 1939، وأعلن فيه نشوب "حرب بين العوالم". ثم يطرح سيرج شيك أسئلة من نوع: كيف يمكن لقناة تلفزيونية عامة تقديم مثل ذلك البرنامج؟ وهل يمكن تصوّر القيام بعمل مشابه في فرنسا وإعلان استقلال جزيرة كورسيكا؟ أو هل يمكن قيام تلفزيون جمهورية الشيشان في روسيا- بوتين ببث إعلان كاذب عن الاستقلال؟
ويبدو تقديم مثل ذلك البرنامج أكثر إثارة للاستغراب عند معرفة أن بلجيكا مهددة بالفعل في كيانها، وليست قليلة هي العناوين التي تتردد في الصحافة ومفادها أن "بلجيكا في طريق الزوال" أو "دولة في طريقها للزوال". ذلك أن هناك شرخا كبيرا بين سكان منطقة "فلندرة" في شمال بلجيكا ومنطقة "والونيا" في جنوبها. الشماليون "الفلاماند" يتحدثون اللغة الفلامندية المتفرعة من الهولندية، والجنوبيون في العاصمة بروكسل وغيرها يتحدثون اللغة الفرنسية، والخلافات بين الطرفين تقترب في أحيان كثيرة من النزاع.
"باي باي بلجيكا" لم يكن أكثر من برنامج تلفزيوني "خيالي". لكنه أثار، كما يشرح المؤلف، مشكلة حقيقية تعاني منها البلاد. بالطبع كان التلفزيون هو "المنتصر" من حيث الشهرة التي نالها البرنامج واستطاع في الوقت نفسه بعث قدر كبير من الوعي العام لدى البلجيكيين بما يمكن أن يتهددهم. ويبقى القول إن الواقع الذي عاشته بلجيكا بعد ذلك "البرنامج"، وعدم التمكن من تشكيل حكومة بلجيكية لأشهر طويلة قد يدفع إلى القول إن "الخيال يتجاوز الواقع" في التعبير عن حقيقة الأمور.
ويكرّس المؤلف العديد من صفحاته للنقاشات التي تلت بث البرنامج، وحيث كان الموضوع الرئيسي هو البحث في دور التلفزيون في المجتمع. وقد تركزت تلك النقاشات حول عدة آراء. عاب البعض على وسائل الإعلام عامة، وعلى التفلزيون بشكل خاص، استغلال الرأي العام عبر نشر وبث أخبار غير صحيحة.
واعترف آخرون أن معدّي البرنامج تحلّوا بقدر كبير من "الحس الإبداعي"، بينما وجه قسم كبير نقدهم لـ"النزعة الاستعراضية" في بث المعلومات. وبكل الحالات يتفق الجميع على أن برنامج "وداعا بلجيكا- باي باي بلجيكا"، استطاع عبر الحديث المتخيّل عن نهاية بلجيكا، لكن بوسائل مستخدمة عادة لتوصيف وقائع جرت في الحقيقة والواقع "على شاكلة النشرات الإخبارية اليومية"، أن يفتح مشربا جديدا لـ"رواية التاريخ"، وبالتحديد "التاريخ البلجيكي" في ما يتعلق بالبرنامج المعني.
ما دلت عليه استطلاعات الرأي اللاحقة هو أن نسبة 89% من البلجيكيين "اعتقدوا بشكل حازم وجازم أنهم يشاهدون تحلل بلجيكا مباشرة". ومشاعر تلك "الأمسية الرهيبة" ستبقى في الأذهان طويلا. هذا رغم إعلان المذيع الشهير "جان كلود ديفوسيه" قبلها مباشرة "هذا ربما لن يكون مجرد محض خيال".
ذلك قبل أن يضيف: "مساء الخير للجميع. اللحظة خطيرة، وعذرا على قطع البرامج العادية. فالحدث الاستثنائي يتطلب سلوكا استثنائيا. علينا أن نقطع بث برنامجنا: أسئلة على الصفحة الأولى عنوان البرنامج التلفزيوني- كي نقدم لكم خبرا... مفاده أن فلندرة ستعلن استقلالها. هل فهمتم: اللحظة مهمة. وبوضوح إن بلجيكا كما هي قد لا تعود موجودة".
أما الدرس الأساسي الذي يستخلصه المؤلف من "القناعة" بصحّة ما عرضه البرنامج لدى نسبة كبيرة من مشاهدي القناة التلفزيونية البلجيكية الأولى الناطقة باللغة الفرنسية هو أن البلجيكيين الذين يتحدثون هذه اللغة في العاصمة بروكسل وغيرها ويرفضون حتى مجرد التفكير بإمكانية تقسيم بلجيكا، إنما "يأخذون في اعتبارهم" احتمال حدوث مثل تلك الإمكانية.
المؤلف في سطور
عمل سيرج شيك لسنوات في مجال التسويق بشركة أوروبية كبيرة، ثم انتقل إلى مجموعة تلفزيون فرنسا حيث شغل خلال سنوات 1995-2000 منصب مدير الخطة الإستراتيجية والتسويق والبرمجة. أولى اهتمامه بعد ذلك لإستراتيجيات وسائل الإعلام على الصعيد الدولي، حيث تعاون مع عدد من القنوات التلفزيونية والإذاعات في أوروبا وأميركا.
الكتاب: اليوم الذي زالت
فيه بلجيكا
تأليف: سيرج شيك
الناشر: لامويت
باريس- 2012
الصفحات: 144 صفحة
القطع : الصغير
Le jour où la Belgique a disparu
Serge Schick
La Muette - INA - Paris- 2012
144 .P
