يضمّن الكاتب والمفكر اللبناني أحمد بيضون، كتابه الصادر حديثاً «لبنان الإصلاح المردود والخراب المنشود»، مجموعة مقالات وأوراق عمل، تناولت مجريات الأزمة اللبنانية التي عصفت بالنظام السياسي في لبنان وبمجتمعه الأهلي، بُعيد اغتيال رئيس حكومة لبنان رفيق الحريري في عام 2005، وما نتج عن ذلك الاغتيال من تداعيات دراماتيكية، انسحبت تردداتها على نسيج المجتمع اللبناني بكل فئاته وأطيافه وأحزابه.
لم يكتفِ بيضون في كتابه بتوثيق الأحداث، واستعراض أسبابها ونتائجها، انطلق منها معايناً مفاصل التحول فيها، طارحاً تجاذبات الحلول الممكنة، ومستشرفاً أثرها على مستقبل الوطن أرضاً وشعباً، في ظل الانكماش السياسي للأحزاب، وتموضعها الجديد، تبعاً لمقتضيات المرحلة، وظروفها المستجدة.
ويعرض بيضون لواقع السلطة في لبنان، على ضوء النزاعات الطائفية والمذهبية، التي يؤججها التنافس على الحصص، تعزيزاً لمقومات هذه الطائفة أو تلك، ورغبتها بالاستئثار، وفوزها بالمكاسب، مستفيدة من ظروف محلية أو إقليمية ناشئة، ويقدم صورة تحليلية عما بلغته هذه الطوائف في تحصين وجودها.
ويقرأ الكتاب في تردّدات الحالة الشيعية الناشئة، بُعيد تسطير المقاومة نصرين متتاليين ضد إسرائيل، الأول في عام 2000، عندما أجبرت المقاومة المحتل الإسرائيلي على الانسحاب من معظم الأراضي اللبنانية. والنصر الثاني كان في حرب تموز 2006، عندما أحبطت المقاومة أهداف إسرائيل العدوانية على لبنان، وأجبرتها على الانسحاب من الأراضي التي دخلتها عنوة.
لكن الكاتب يستدرك موضحاً أن العدوان الإسرائيلي الأخير، ما كان ليحصل لو لم تقدّم المقاومة، ممثلة بحزب الله، الذريعة لإسرائيل، عام 2006، عبر اختطاف رجال حزب الله لجنود إسرائيليين، في كمين نصبته على الحدود مع فلسطين المحتلة.
ويرى بيضون أن العواقب الناتجة عن الحرب التي افتعلها حزب الله، تجاوزت سلامة البشر والعمران، وتعداها إلى الحالة السياسية، ذات الصلة «بوحدة البلاد الممتحنة باستيلاء قوة من قواها السياسية على حق وطني رئيس، يفترض أن يسوسه اللبنانيون كافة، بمقدار ما هم مواطنون في دولة واحدة». ويحدد الكاتب أهداف حزب الله المشبوهة، المرتبطة بتعزيز المصالح الإيرانية والسورية على حساب وحدة لبنان واستقلاله.
وهذا ما أثار حفيظة فئات لبنانية كبيرة، خرجت بمئات الآلاف إلى ساحات بيروت، مستنكرين سلاح الهيمنة والتسلط، ومطالبين الدولة باستعادة سيادتها، وحضر السلاح بيد القوى الأمنية الرسمية. وفي شأن الطائفة السنية، يؤكد المؤلف على احتكارها «مهمة الإنماء والإعمار، غداة الحرب، جاعلة من هذه المهمة اختصاصاً طائفياً أيضاً». ويأخذ على انفراد السنة بهذا الدور، تعميقهم الانقسام الطائفي، الذي حال دون اتحاد المجتمعات الطائفية، وتكوكبها حول دولة تستجمع قواها للنهوض بالمجتمع، الذي فتكت الحرب عمرانه، وبددت أرواحه وأرزاقه. وينتقد الكاتب أيضاً تنكُّب الموارنة منفردين مهمة استرداد سيادة الدولة وبعث استقلالها.
وقد بدا هذا الميل على أشده في الفترة التي أعقبت نهاية الحرب اللبنانية، وامتدت إلى الفترة التي سبقت اغتيال الحريري. وقد برزت الطائفة المارونية، كأنها وحيدة زمانها في هذا المسعى، لا شريك لها في دعوتها إلى السيادة والاستقلال.
ويتابع المؤلف حفرياته في بنى النظام الطائفي، مستجلياً توجهات المجتمع المدني في لبنان، والعمل النقابي، ومفهوم المواطنة، وقارئاً دقيقاً للمسودات المطروحة حول قانون انتخابي جديد، ولولاءات الفئات اللبنانية لقوى خارجية، تستقوي بها، لتسجل لمصلحتها نقاطاً في مرمى الطرف الآخر.
ويتوقف في التحليل عند الوجوه التي اتخذتها الحرب الأهلية، والتي هي في العمق «صراع في الجماعات للقبض على مقاليد السلطة الاجتماعية والتمثيل السياسي لجماعة، وذلك على نحو يرفع أطرافاً في الجماعة ويخفض أخرى، مبشراً بميزان جديد عند استئناف الحياة الطبيعية»، ولا يرى الكاتب حلولاً للمسائل العالقة، إلا إذا اتفق على «مبدأ العبور من منطق الحصص الطائفية إلى منطق الضمانات المانعة للتمييز الطائفي بين المواطنين».
ويتخوف المؤلف من نشوب صراع سني شيعي في لبنان، يؤدي بالبلد إلى التفكك وإلى انهيار مؤسساته السياسية والعسكرية والإدارية، وما قد يصحب ذلك من زلزلة للاقتصاد والنقد، ودرءاً للفتنة، يدعو العقلاء إلى تدارك الانفجار الذي سيخلف عواقب وخيمة على البلاد والعباد.
تساؤلات
يطرح الكاتب تساؤلات محرجة ومقلقة، حول الميثاق الوطني الذي يجمع اللبنانيين، على اختلاف مذاهبهم، تحت رايته، إن حدثت الكارثة وتحول الاشتباك السني الشيعي إلى صراع عسكري مفتوح، حيث سيفرض حتماً إعادة تكوين ميثاق جديد بينهما، تحكم سائر الأطراف في ركبه.
وفي منحى آخر، يتساءل إن كان تداعي الصيغة المسيحية الإسلامية هو بداية نهاية الدولة اللبنانية. أسئلة مهولة تستدعي برأي الكاتب قيام مبادرات جدية للحؤول دون بلوغ لبنان عتبة الانفجار، بعد أن تفشت الحالة الإسلامية، وأرست لنفسها «في الطائفتين ركائز ضخمة سلوكيّة ومؤسسية اجتماعية».
الكتاب: لبنان الإصلاح المردود والخراب المنشود
تأليف: أحمد بيضون
الناشر: دار الساقي بيروت لندن 2012
الصفحات: 256 صفحة
الحجم: الكبير
