يستهل كتاب "الأمن الغذائي السوري"، لمؤلفه الدكتور منذر خدام، أبحاثه، باستعراض تاريخ الإنسان عندما كان بلا ثقافة عارفة، إذ كانت الطبيعة تتحكم به، وبقي يعيش متنقلاً بينا يبحث عن طعامه، وعن ملجأ يحميه من الكوارث الطبيعية والوحوش المفترسة، وكذا كانت الطبيعة وفيرة بما تتيحه لـه من موادّ غذائية، مقارنة بحاجاته البسيطة، لذا كان مستوى الأمن الغذائي لديه، مرتفعاً بصورة عامّة. ويشير منذر خدام، بعدها، إلى أنه أخذت أعداد الناس، تزداد بشكل كبير، ولهذا أصبحت تتعاظم حاجاتهم إلى الغذاء.
وينتقل خدام لتوضيح مفهوم وتعريفات مصطلح "أمن"، الذي هو من أكثر المصطلحات شيوعاً، إذ يستخدم في البحوث والدراسات العسكرية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية، وهو معقد، مترابط .
وبناء عليه، فإن مفهوم الأمن الغذائي هو من المفاهيم، غير المستقرة، ومن أجل توحيد الرؤية العالمية، عرفته منظمة الأغذية والزراعة العالمية على الشكل التالي: "الأمن الغذائي هو توفر الإمكانية الفيزيائية والاقتصادية ـ الاجتماعية للبشر كافة، من أجل الحصول على الغذاء الكافي والصحي الذي يؤمن العناصر الغذائية الضرورية للقيام بفعاليات الحياة الصحية". ويتحول خدام إلى التعريف بمفهوم الأمن المائي، طبقا لما بينته الجهات المعنية.
فهو: "تعبير عن وضعية مستقرة لموارد المياه يمكن الاطمئنان إليها، يستجيب منها عرض المياه للطلب عليها". ويلفت إلى انه وفي حال لا يستطيع عرض المياه أن يستجيب للطلب عليها، بصورة كاملة، يحصل ما يسمّى بالعجز المائي، فينخفض حينئذ مستوى الأمن المائي. وأمّا في حال زاد المتاح من الموارد الطبيعية المائية عن الطلب عليها، فيرتفع مستوى الأمن المائي.
ويتطرق منذر خدام، عقب ذلك، إلى موضوع الأمن الغذائي في سوريا، تحديدا، لافتا إلى أن العجز في الميزانية السورية آخذ بالتفاقم من سنة إلى أخرى، كما أن جميع الدراسات التي تناولت الموضوع المائي في سوريا، توصلت إلى النتيجة ذاتها، وهي أنّ الوضع المائي في سوريا على المدى المتوسط والبعيد سيعاني من عجز متفاقم.
ويذكر المؤلف ان مصادر المياه في سوريا هي: الأمطار والمياه السطحية، المياه الجوفية، مياه الصرف الزراعي، الصرف الصحي والصناعي، المياه المستمطرة، مياه التخزين الحي والخزانات المائية وراء السدود. ويؤكد في هذا الصدد، على أنه لا بدّ من تطوير درجة تنظيم الموارد المائية، عبر تحسين كفاءة إداراتها، بما لا يقل عن 90 إلى 95 في المئة.
ويوضح خدام، انه في مجال تطوير التقنيات الزراعية، تعتني السياسات الزراعية السورية، بشكل أكبر، بتشجيع المزارعين على استخدام مختلف وسائل الإنتاج الزراعي الحديثة، سواء ما يتعلق منها بأدوات العمل، مثل : الآلات، التجهيزات الزراعية المختلفة، منظومات الري الحديث. أو ما يرتبط بمواد العمل، ومنها: البذور والشتول، الغراس المحسنة، الأسمدة، المبيدات أو الأعلاف. وأخيرا تأمين الموارد المالية واستخدامها .
وفي ما يخصّ الأعلاف، فإن الدولة كانت تعتمد في تأمينها على المصادر المحلية، وأنشأت لهذا الغرض المؤسسة العامّة للأعلاف، ولكن بعد عام 1987، سمحت للقطاع الخاص بإنتاج الأعلاف واستيرادها والتجارة بها، وفق مواصفات معينة، وتحت إشراف المؤسسة العامّة للأعلاف، وتنطبق الحال ذاتها على الآلات الزراعية، إذ كانت الدولة تحتكر إنتاجها واستيرادها، ولكنها سمحت في ما بعد، للقطاع الخاص بتولّي إنجاز هذه المهمة.
ويبين المؤلف أن الحكومة عمدت إلى تمكين الفئات الفقيرة من الوصول إلى الغذاء، عن طريق دعم المنتجات الغذائية الرئيسية، إذ صار سعرها لا يزيد على عشر نظيره العالمي. وهكذا تركت هذه السياسة، آثاراً إيجابية عند الفقراء، ولكنها من منظار الاقتصاد الكلي، لم تعد مرغوبة بهذا الشكل والمستوى عند الفقراء، لذلك عمدت، أخيرا، إلى تحرير الأسعار بصورة تدريجية.
نموذج وإفرازات
يركز الكتاب على تبيان أوجه وأسباب اعتناء الإنسان بتأمين مصادر غذائه، عقب فترات الوفرة الطبيعية، موضحا كيفية إساءته للمقدرات والإمكانات الموجودة، إذ، وفي سباقه المحموم نحو التميز والسيطرة، أساء إلى الطبيعة، فخرب البيئة ولوث الهواء، ودمرّ مساحات شاسعة من الغطاء النباتي الطبيعي، فأخذ المناخ العام يتغيّر باتجاهات غير ملائمة تهدد وجود الإنسان في المستقبل. ويدرس الكتاب نموذجا حيويا في هذا السياق، يتمثل في أمن الغذاء، وإفرازات السياسات الحكومية المتبعة، في هذا الخصوص.
المؤلف في سطور
الدكتور منذر خدّام، باحث وكاتب سوري، حاصل على الدكتوراه من أكاديمية "جورجي ديمتروف" للعلوم الاقتصادية في بلغاريا. وهو أستاذ متفرغ في قسم الاقتصاد الزراعي ـ جامعة تشرين. من مؤلفاته العلمية : الاقتصاد الزراعي، الأمن المائي السوري.
الكتاب: الأمن الغذائي السوري
تأليف: الدكتور منذر خدّام
الناشر: وزارة الثقافة، الهيئة العامّة السورية
للكتاب: دمشق 2011
الصفحات: 232 صفحة
القطع: الكبير
