يستعرض كتاب "تراثنا الروحي.. من بداية التاريخ إلى الأديان المعاصرة "، لمؤلفيه سهيل بشروني ومرداد مسعودي، المسيرات الدينيّة المتنوعة التي عرفتها البشرية عبر تاريخها، بأسلوب أدبي رفيع، يغلب عليه طابع السرد التاريخي والعرض الفلسفي المقتضب.
ويتناول المؤلفان في كتابهما/ الموسوعة، جملة موضوعات، منها: العقائد الروحية للشعوب الاولى، الميراث الديني لمصر القديمة ولليونانيين القدماء، التراث الديني لأميركا الوسطى. وكذلك لمعظم الديانات التي عرفتها البشرية عبر العصور، من الهندوسية ووصولاً الى البوذية والشنتويّة والسيخيّة واليانيّة، وكذا الديانات السماوية الثلاث: اليهودية والمسيحية والإسلامية .
ويرى المؤلفان ان الشعوب القبليّة، كانت تميل الى تقديس القوى الطبيعية الخارقة، لما تُمثله من سطوةٍ وقوةٍ وغرابة. ولهذا كانت تعتقد بالمقدسَ الرباني على أنه متجسد من خلال الشمس والقمر والسماء والشجر والصخر والجبال . ويؤكدان ان المصريين القدماء، اعتبروا قيم العدل والسّلام والنظام، جزءا من صيرورة الانسان، فكانوا بذلك من اول المساهمين في تثبيت هذه السّمات والمزايا في الأديان. وحتى نظرتهم الى الخُرافة، كان لها في الميثولوجبا الخاصة بهم، بعد ميتافيزيقي نابع من تسليمهم بالغيبيّات والاحلام التي كانت تطرحُ نفسها بديلاً عن مداركِ العقل والعمق والأصالة، والتي لاقت اهتماما خاصا في الفلسفات اليونانية اللاحقة .
وفي قراءتهما لما تنطوي عليه الديانة الهندوسية من معتقدات ومفاهيم، يشير المؤلفان الى مجموعة حقائقَ. ويوضحان أن الديانة البوذية واحدة من الديانات التي ُتلزم أتباعها سلوك حياة قائمة على التّقشف، بكافة أشكاله، من أجل بلوغ حياة سامية، وهذا يستدعي، برأيهما، تطبيق ثلاثة مبادئ أخلاقية رئيسية، وهي :الصدق، ضبط النفس، عدم العنف .
وعلى خلاف سائر الدّيانات التي ينطلق أتباعها في توجيه إيمانهم وفقا لمبادئ عقائدية ثابتة، فإن البوذي، كما يبين الكتاب، يعتمد في ممارسة إيمانه، على تجاربه الشخصية مركزا على اختبارها في ضوء تعاليم بوذا.
ويتطرق الباحثان إلى ماهية الطرق والوسائل التي يعكف البوذي على ممارستها، وصولاً الى الكمال الروحي الذي لا يمكن إدراكه إلا متى عرف البوذي أسباب المعاناة والعذاب، وكذا كيفيّة تجاوزهما .
ويجد المؤلفان وجها متساميا في الديانة السيخيّة، يدفع أتباعها الى تجاوز مستويات روحية عالية، نتيجة التزامهم بنمط حياة يقوم على الإيمان بإله واحدٍ أحد، لا هيئة له ولا صورة. إله أبدي، أزلي، ّ مهيمن على الخليقة كلها .
ولعل من شواغل الديانة الكونفوشيوسية، وشؤونها الاساسية، كما يشرح الباحثان، بث الخير والصلاح، وخلق التوازن والنظام والانسجام في المجتمع . وهذا يتطلب تنمية الخلق الصالح، والتعلم والالتزام بقواعد السلوك. ويستعرض المؤلفان المبادئ الاساسية التي تقوم عليها الديانتان : الشنتوية والزرادتشية . فالأولى تفترض وجود عالم حيوي مقدّس، تتخلله مجموعة متعددة من الآلهة. والثانية تؤمن بخالق واحد، حافظ للكون. وهو عليم بكل شيء، لا بداية ولا نهاية له، أزلي ، ثابت لا يتغير.
ويخصص الكتاب فصوله الاربعة الاخيرة، للحديث عن الديانات السماوية الثلاث: اليهودية والمسيحية والاسلامية، مستعرضا مسيرة كل منها، فيبرز: نشأتها التاريخية، معتقداتها، نظرتها الى الدنيا والآخرة، الطقوس والمعتقدات التي ألهمت المؤمنين سُبل الايمان الحقيقي، التجارب التي عبرتها، الخلافات العقائدية داخل الدين الواحد، والتي أوصلت هذه الأديان الى انقسامات مذهبية .
منهج وهدف
يرتكز الكتاب إلى منهج علمي دقيق، ممزوج برؤى تشويق أدبي جاذبة. ويتبدى في أبحاثه، الالتزام بالحياد، إذ نجده لا ينتصر لدين على الآخر، ولا يعنى بالدفاع عن عقيدة بعينها أو مذهب محدد، متوخيا الدقة في تحليلاته، وعدم محاباة مذهب أو طائفة أو أمة ما. ويركز بالمقابل، على جعل هدف جمع المعلومات والمعارف المتعلقة بالأديان، رئيسيا بالنسبة له، في سبيل مساعدة القارئ على استيعاب مضامين الأديان وتنوعها.
المؤلفان في سطور
سهيل بشروني، كاتب وباحث متخصص في قضايا الأديان والتصوف، والفكر والأدب، بوجه عام. يعمل أستاذاً للدراسات الحضارية في جامعة ماريلاند الأميركية. لديه مجموعة من الدراسات والمؤلفات.
أما مرداد مسعودي، فهو باحث علمي يعمل أستاذا مساعدا في دائرة هندسة الطب الأحيائي في جامعة كارنجي ملون في الولايات المتّحدة. مهتم بالأبحاث والدراسات التي تعنى بقضايا الفكر والدين. قدم عددا من الكتب والدراسات في هذا المجال.
الكتاب: تراثنا الروحي من بدايات التاريخ إلى الأديان المعاصرة
تأليف: سهيل بشروني ومرداد مسعودي
ترجمة: محمد غنيم
الناشر: دار الساقي - بيروت لندن 2012
الصفحات: 592 صفحة
القطع: الكبير
