أولت الباحثة الاقتصادية "دامبيزا مايو"، اهتمامها لدراسة الأسباب التي تدفع الغرب نحو خسارته وكذلك للعقبات التي تواجه برامج التنمية في العالم الثالث. وهي تكرّس كتابها الأخير الذي يحمل عنوان: "الفائز يأخذ كل شيء" للمسائل العالمية الملحّة وفي مقدمتها نتائج صعود الصين وبحثها عن الحصول على موارد العالم وثرواته على العالم العربي بصورة خاصة، كما يدل العنوان الفرعي للكتاب.

تنطلق المؤلفة في تحليلاتها من مقولة مفادها أن الجميع يعرفون واقع أن ثروات العالم الذي نعيش فيه وفي مقدمتها مصادر الطاقة وعلاقتها الوثيقة بكل ما يحكم تفاصيل الحياة اليومية للبشر وما يشكّل العصب الرئيسي للنشاطات الاقتصادية إنما هي ثروات "نادرة" و"محدودة"، وبالتالي لا بد من أن يصبح واقع "نضوبها" أمرا واقعا في يوم قد يكون بعيدا.

بناء على مثل هذه الملاحظة للواقع القائم اليوم تطرح دامبيزا مايو السؤال التالي: كم من البشر يعرفون ماذا يعني هذا حقيقة بالنسبة للاقتصاد العالمي في السياق الراهن؟

وتقدم المؤلف في معرض الإجابة سلسلة من الأرقام المأخوذة من مؤسسات ومراكز أبحاث مختصة ثم تبحث في "الوقائع" التي ينبغي الكشف عنها فيما هو أبعد من هذه الأرقام. والحقيقة الأولى التي تؤكد عليها هي أن العالم، سوف يواجه بعد فترة ليست بعيدة تحديات خطيرة.

وتحدد دامبيزا مايو الأزمة الأكثر خطورة في العقود القليلة القادمة بالشح الحد للموارد الطبيعية، وسيكون لهذا الشح آثاره الكبيرة "على الحياة اليومية للبشر" وكما "على الواقع الجيوسياسي العالمي" والتأكيد في هذا السياق أن الشح سوف يصيب أولا عددا من المنتجات الأساسية وعلى رأسها البترول والغاز والمعادن والمواد الغذائية وخاصة المياه. والتأكيد في نفس النهج من التحليل أن العالم يقترب من فترة ستشهد ارتفاعا حادا في أسعار المنتجات الأساسية "وصولا إلى مستويات أعلى وبصورة مستمرة". والنتيجة؟ تحددها المؤلفة باعتبار أن عدم كفاية الموارد الطبيعية "سوف تؤدي إلى دفع مئات الملايين من البشر إلى أحضان الفقر المدقع".

وفي نوع من العودة إلى تاريخ سابق تذكّر المؤلفة بعالم الاقتصاد والسكان الانكليزي "توماس مالتوس" الذي "تنبأ" منذ عام 1798 بمستقبل حافل بالحروب والمجاعات. ذلك في مواجهة تزايد عدد السكان و"محدودية" الإنتاج الغذائي. تتم الإشارة هنا أن "التكنولوجيات" التي أنتجتها الثورة الصناعية الكبرى "كذبت" هذه المقولة الأخيرة، حيث ساهمت في زيادة ذلك الإنتاج. هنا تفتح المؤلف قوسين لتؤكد أن التكنولوجيا "أخّرت مواجهة المشكلة"، ولكن "ليس من الواضح أبدا أنها سوف تفعل ذلك إلى ما لا نهاية".

تذكر المؤلفة أنه ينبغي 12,009 غالون من المياه لإنتاج 500 غرام من لحم البقر. وأن الاحتياطات المثبتة من البترول إذا جرى استخراجها بوتيرة الإنتاج الحالية ستكفي لفترة 46 سنة قادمة، وأن إنتاج النحاس من الآن حتى عام 2020 سوف يستجيب لأكثر قليلا من نصف الطلب العالمي من هذه المادة.

هذه الأرقام وغيرها والأطروحات التي تصوغها المؤلفة على أساسها تجد ما يدعمها خاصة في الدور الذي ستلعبه الصين. وتشير أن الحكومة الصينية تخطط لبناء 225 مدينة جديدة يزيد عدد سكان كل منها عن مليون نسمة. ذلك ضمن إطار خطة ترمي إلى "ترشيد الهجرة الريفية".

وتشرح دامبيزا مايو أن القيادة الصينية ممثلة بالحزب الشيوعي تقيم شرعيتها على تحسين مستوى معيشة الصينيين، وتأمين السلع "الضرورية" من السيارة إلى الثلاجة وغيرهما. والتأكيد أن الزعامة الصينية تخشى من اندلاع تمرّد أو ثورة "إذا لم تحصل الطبقة الوسطى الصينية على نفس المستوى الذي تتمتع به مثيلتها في البلدان الغربية المتقدمة".

إن المؤلفة تكرّس صفحات كثيرة من الكتاب لتوصيف المساعي التي تقوم بها الحكومة الصينية على الصعيد الخارجي من أجل الحصول على الموارد الطبيعية الضرورية.

 

نزاعات في الأفق

في عالم يواجه "نضوب" المنتجات بالتوازي مع زيادة الطلب أكثر فأكثر من قبل طبقة وسطى جديدة عالمية، ترى المؤلفة أن "خطر نشوب النزاعات" سيكون أكثر فأكثر. ونقرأ في هذا السياق أنه "من بين القوى الكبرى في عالم اليوم هناك قوة واحدة أقامت إستراتيجيتها الاقتصادية والسياسية على ترقب تحديات كبيرة في أفق مستقبل فقير بالموارد والثروات، هذه القوة هي الصين".

 

المؤلفة في سطور

اختارت مجلة "التايم" دامبيزا مايو كأحد الشخصيات المائة الأكثر نفوذا في العالم بالنسبة لعام 2009. تحمل شهادة الدكتوراه من جامعة أكسفورد وشهادة جامعية من جامعة هارفارد. عملت لسنوات في البنك الدولي وبنك غولدمان ساتش. من مواليد لوزاكا في زامبيا.

الكتاب: الفائز يأخذ كل شيء

تأليف: دامبيزا مايو

الناشر: آلن لين- نيويورك 2012

الصفحات: 272 صفحة

القطع: المتوسط

Winner take all

Dambisa Mayo

Allen Lane -

New York - 2012

272 .p