يقدم كتاب "السنّة الرسولية والسنّة المحمدية"، لمؤلفه، الدكتور محمد شحرور، قراءة معاصرة للسنّة، ويلفت شحرور إلى أن قيامه بذلك، يأتي بشكل ملح، بعد ما تمخضت عنه ثورات الربيع العربي من صعود للقوى والأحزاب ذات المرجعية الإسلامية، أو ما يسمى حركات الإسلام السياسي، التي توظف آيات التنزيل الحكيم والسنة النبوية، وتعزو نجاحها إلى الإسلام. إذ، وفي المقابل، سيعزو معارضوها فشلها أيضاً، إلى الإسلام. وهو ما يعتبره أمراً خطيراً، يستوجب النظر فيه.
يرى المؤلف أن السنّة تعني لغة اليسر والجريان والاستقامة على طريقة ومثال واحد أو معين، ويكتسب معناها تجسيده، بعد أن وضع طريقة أو مثالا ما في نمط عيش يتفق عليه، ثم يجري هذا المثال أو هذه الطريقة في المجتمع، ويصبح متداولاً فيه بكل يسر وسهولة، مثله مثل أي قانون يُسن في البداية، ثم يغدو بعدها متعارفاً عليه وممارساً في المجتمع.
ويستند إلى التغير والتبدل في مآل السنن، حيث التنزيل الحكيم لم يصرح أبداً بتثبيت أي سنة من السنن، بل على العكس من ذلك تماماً، في كل مرة يبيّن أنها ليست مستمرة، بل مآلها دائماً الزوال والتبدل، بدليل تعدد السنن وتعاقبها بعضها وراء بعض.
ينتقل شحرور عقبها، إلى التمييز ما بين السنة الرسولية، بوصفها الرسالة المحمدية التي أنزلت وحياً على قلب الرسول الكريم محمد صلى الله عليه وسلم، الواردة في أم الكتاب، وما جاء فيها من منظومة القيم والشعائر ونظرية الحدود ومبدأ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وبين السنة النبوية، والتي تتفرع إلى قسمين اثنين.
أولهما القصص المحمدي الوارد في التنزيل الحكيم، وهو جزء من القرآني، والذي جرت أرشفته بعد وقوعه، وهو، حسب المؤلف، نسبي ولا تؤخذ منه إلا العبر فقط، كباقي القص القرآني، أي أنه جزء من السيرة، والواجب الإيمان به والتسليم له، لأنه جزء من القرآن، وهو الجانب التاريخي من السيرة، والإيمان بها ليس ديناً.
وثانيهما اجتهادات النبي محمد صلى الله عليه وسلم عينها الواردة في ما صحّ من الأحاديث الواردة في كتب الرواية والسيرة، إذ توافقت مع مضمون التنزيل الحكيم ولم تعارضه، ومارس فيها أمور القيادة العسكرية وتنظيم أمور المجتمع (كولي أمر)، والقضاء والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر (كقائد اجتماعي) بشكله التاريخي، وينطبق هنا سياق: تتغير الأحكام بتغيير الأزمان.
كما يطالب شحرور في كتابه بإدراك الفروقات الجوهرية بين مقامي النبوة والرسالة، كي يدرك الفرق بين الكتاب والقرآن، فالله قائل، والرسول ناطق، والناس تفكر، وتستنتج حسب تطور نظم المعرفة وأدواتها. ولكن عدم التفريق بين النطق والقول، نتج منه عدم تفريق بين مقام الرسالة ومقام النبوة، الأمر الذي أوقع المسلمين في مأزق الخلط بين الرسالة والقصص المحمدي، وبين السنة الرسولية والسنة النبوية.
ويميز شحرور بين تلك الأركان الأربعة للرسالة التي تلزم طاعة الرسول فيها طاعة متصلة بالأخذ بها والعمل بما جاء فيها، وهي التي قام الرسول بتبليغها كما وردت في التنزيل الحكيم، أو كما وفقه الله لبيان تطبيقاتها العملية، كحال الصلاة والزكاة، ولتبليغ الحدود التي أمره الله بتبليغها، وهي غير متغيرة وقابلة لاستيعاب كل التغيرات التي تطرأ على حياة المجتمعات الإنسانية، كلٌ حسب تطور مستواه المعرفي ومتطلباته الناتجة عن هذا التطور.
مراجعة نقدية
يعنى الكتاب بالتركيز على مراجعة نقدية لمفهوم السنّة في التراث العربي الإسلامي، ولمفاهيم العصمة والمعجزات وعلم الغيب والشفاعة وعدالة الصحابة، وسوى ذلك.
المؤلف في سطور
محمد شحرور، باحث ومفكّر إسلامي سوري. حائز على شهادة الدكتوراه في الهندسة المدنية. يعد اليوم مرجعاً أساسياً في العلوم القرآنية بعدما أوجد نهجاً جديداً وعلمياً لفهمها. من مؤلّفاته: الدولة والمجتمع، الإسلام والإيمان.. منظومة القيم، نحو أصول جديدة للفقه الإسلامي، تجفيف منابع الإرهاب.
الكتاب: السنة الرسولية والسنة النبوية.. رؤية جديدة
تأليف: الدكتور محمد شحرور
الناشر: ش دار الساقي، بيروت 212
الصفحات: 350 صفحة
القطع: الكبير
