بعد أن كتب المؤرخ الفرنسي «جان دي كار» سير حياة العديد من مشاهير شخصيات أوروبا التاريخية وتاريخ سلالاتها الشهيرة مثل سلالة رومانوف، قياصرة روسيا، وسلالة هيسبورغ، سادة الإمبراطورية النمساوية- الهنغارية وغيرهما، يقوم في كتابه الأخير بكتابة «قصة سلالة وندسور»، كما جاء في العنوان الرئيسي، وذلك في مسار الانتقال «من الإمبراطورية البريطانية إلى الكومنولث»، مثلما يقول العنوان الفرعي للكتاب.
إن تسمية «وندسور» هي التي اختارها الملك البريطاني جورج الخامس عام 1917 عندما كانت الحرب العالمية الأولى دائرة في أوروبا، وذلك في منظور الابتعاد عن «الوقع الجرماني- الألماني» للتسمية الملكية السابقة «ساكس كابورغ- غوتا». وبعد إشارة المؤلف أنه لم يكن من السهل فرض التسمية الجديدة يتساءل: من كان يصدّق أن تسمية «وندسور» سوف تكون عشية نشوب الحرب العالمية الثانية "مرادفا لفضيحة لا سابق لها"؟ .
الفضيحة المقصودة تخص قرار الملك البريطاني ادوارد الثامن التخلّي، بعد ثمانية أشهر فقط من حصوله على التاج، عن العرش بدافع حبّه لسيدة أميركية كانت "مطلقة" مرتين قبله.
خلف "إدوارد الثامن" على العرش أخاه "جورج السادس" الذي استطاع بـ"قدر كبير من الشجاعة" التخلّص من عاهة «التأتأة» التي كان يعاني منها. وألقى «خطاب الملك» بـ«سيولة» و«بلاغة» لفتتا انتباه الجميع. كان ذلك أحد الأحداث الكبرى في «قصة سلالة ويندسور» ومحطة هامة في تاريخ سلالة عرفت «عظمة الملكة فكتوريا» و«فترة الحكم الطويلة لإليزابيت الثانية»و«إمبراطورية» سادت العالم قبل الحرب العالمية الثانية. ولكن أيضا «المركز» الذي تدور حوله مجموعة الأمم المنضوية في إطار ما يعرف بـ«الكومنولث».
هذه الأمور والأحداث والشخصيات كلها هي بعض ملامح «قصة سلالة ويندسور» التي يقدمها المؤرخ جان دي كار. يقدم المؤلف «قصة سلالة ويندسور» في عشرة فصول تبدأ بفصل يحمل عنوان: «1917، ملك انكلترا جورج الخامس لم يعد ينتمي إلى أصوله الألمانية» وتنتهي بفصل عن «زمن الأزمات خلال سنوات 1956-1965»، ومرورا بالحديث عن الـ325 يوما من حكم « ادوارد الثامن» و«تحديات جورج السادس» و«سلالة ويندسور في خضم الحرب 1940-1945» و«نهاية الإمبراطورية». هذه العناوين كلها تمثل بوضوح محطات هامة في مسار سلالة ويندسور.
بدأ كل شيء إذن عندما قرر الملك جورج الخامس استبدال تسمية «ساكس كوبورغ- غوتا» بتسمية ويندسور. كان ذلك في سياق اشتدت فيه مشاعر البغض والحقد على الألمان الذين كانوا وراء إشعال نيران الحرب العالمية الأولى. ويشرح المؤلف أن ذلك «التغيير» في اسم العائلة المالكة لم يحظ بترحيب شرائح كثيرة من السكان،ومعارضة آخرين ، ولكنه كان يجسد بالوقت نفسه "ذهنية المقاومة البريطانية، للمرة الأولى في التاريخ الحديث، كما يكتب المؤلف.
لكن ذلك الموقف العقلاني المشرّب بالأحاسيس الوطنية الذي تبنّاه جورج الخامس لم يجد صداه في سلوكية ابنه الذي خلفه على العرش «ادوارد الثامن» الذي لم يتردد في التخلّي عن التاج البريطاني من أجل حب امرأة أميركية مطلّقة تدعى «وليس سامبسون». وكاد سلوكه أن يؤدي بالسلالة كلها إلى الهاوية.
تتم الإشارة في هذا السياق أن فضيحة الزواج من «مطلّقة» والتخلي عن العرش تعاظمت أكثر فأكثر عندما أصبح دوق ويندسور الملك ادوارد الثامن سابقا- أحد المعجبين "المعلنين" بالنظام النازي في ألمانيا. ووصل ذلك إلى درجة أنه ذهب، برفقة زوجته، عام 1937 إلى ألمانيا للقيام بزيارة "وديّة" للفوهرر ادولف هتلر.ما يؤكده المؤلف أيضا هو أن سلوكية الملك البريطاني السابق- وزوجته كانت تنمّ بوضوح عن تعاطفهما مع النازيين.
الأمر الذي دفع ونستون تشرشل، وزير الحرب ورئيس الوزراء في زمن الحرب العالمية الثانية، إلى نفيهما دوق ويندسور وزوجته بـ"مهمة" إلى جزر باهاماس حين أقاما فترة الحرب. لكن "لحسن الحظ" كما يشير المؤلف، أظهر الملك البريطاني الجديد "جورج السادس" وزوجته مواقف "بطولية" أثناء المعارك التي خاضتها ألمانيا ضد النازيين. وكانت النتيجة المباشرة لذلك هي "تحسين صورة سلالة ويندسور".
ثم إن فترة الحكم الطويلة لابنتهما الملكة الحالية "اليزابيت الثانية" تدلّ بوضوح على قدرة هذه السلالة الملكية على "النهوض" من الأزمات الكبرى، مهما كانت ضخامة هذه الأزمات، وذلك ما كانت قد أثبتته في السنوات الأخيرة أمام مأساة وفاة الأميرة "ديانا" التي حظيت بحب كبير لدى المواطنين البريطانيين.
وفي الصفحات الأخيرة من الكتاب يشير المؤلف أنه في بدايات القرن الحادي والعشرين، وبعد "الحياة العاطفية المضطربة" للأميرتشارلز، يتساءل الانجليز عمّن سيكون الملك الخامس من سلالة ويندسور.
والإشارة أنه إذا كانت القواعد تقول أن يعود العرش للأمير تشارلز فإن الانجليز يفضلون في واقع الأمر، الابن البكر للأميرة ديانا، الأمير "وليام" دوق كمبردج. فإلى أين سوف تميل عواطف الملكة الأم صاحبة التاج البريطاني اليوم؟
أحداث قرن
ما يؤكد عليه المؤلف هو أن سلالة ويندسور عرفت في مسيرتها "لحظات زاخرة بالأمجاد" و"لحظات حافلة بالصعوبات" منذ أن قرر الملك جورج الخامس عام 1917 تبنّي تسمية "ويندسور". ويرسم جان دي كار مسارا واضحا للأسرة المالكة البريطانية منذ ذلك التاريخ مشيرا بشكل خاص أن مسارها هو على علاقة وثيقة مع مسار الأحداث التي شهدها القرن العشرون المضطرب.
المؤلف في سطور
جان دي كار، مؤرخ فرنسي، كرّس القسم الأكبر من أعماله لكتابة تاريخ السلالات الأوروبية الكبرى وبعض رموزها الشهيرة. هكذا كتب «سيرة حياة اوجيني، الإمبراطورة الأخيرة» و«قصة سلالة رومانوف»، قياصرة روسيا السابقين، و«قصة سلالة رومانوف»، قياصرة روسيا السابقين، و"قصة سلالة هبسبورغ"، مؤسسي الإمبراطورية النمساوية- الهنغارية.
الكتاب: قصة سلالة
ويندسور
من الإمبراطورية
البريطانية
إلى الكومنولث
تأليف: جان دي كار
الناشر: بيران
باريس- 2011
الصفحات: 422 صفحة
القطع: المتوسط
La saga des Windsor
Jean Des Cars
Perrin - Paris- 2011
422 .P

