تحتل السيدات الأول، أي زوجات الرؤساء أو شريكات حياتهم مكانة مرموقة في بلادهن. هذه قاعدة عامة ولكنها تكتسب قدرا من الخصوصية عندما يتعلق الأمر بالولايات المتحدة الأميركية. البرهان على ذلك يقدمه كتاب «بيير ماري لوازو» الذي يحمل عنوان «السيدات الأول، من التقليد إلى الحداثة».

إن هذا الكتاب يدعو قارئه للغوص في كواليس السلطة بالولايات المتحدة الأميركية عبر دور زوجات الرؤساء الأميركيين ذلك انطلاقا من «مارتا واشنطن» زوجة الرئيس جورج واشنطن وحتى ميشيل اوباما، زوجة الرئيس الأميركي الحالي باراك اوباما.

و«السيدة الأولى» الأميركية ،كما يتم تقديمها، هي بالوقت نفسه «شخصية عامة» و«امرأة رجل». ولكن دورها ومكانتها في المشهد العام والمشهد السياسي لبلادها عرفا تحوّلا كبيرا. ففي القرنين الثامن عشر والتاسع عشر كانت «سيدة البيت الأبيض» نموذجا بالنسبة للنساء الأميركيات وبذلك قامت بـ«الدور التقليدي» للمرأة، كما يشرح لمؤلف في القسم الأول من الكتاب.

ثم تطوّر موقع السيدة الأولى كي تلعب «دورا اجتماعيا- تاريخيا»، مما شكل بالتوازي تطورا لمكانة المرأة في المجتمع، موضوع القسم الثاني من هذا العمل، ثم جاء «الدور السياسي» الذي تلعبه السيدة الأولى من موقعها الجديد كـ«شريكة في الرئاسة»، كما يبدو من خلال نماذج «السيدات الأولى»، موضوع القسم الثالث والأخير من الكتاب.

وفي جميع الحالات يحاول المؤلف التعرّض لمكانة ودور السيدة الأولى في الولايات المتحدة من خلال الإجابة على الأسئلة التالية: ما هو الدور الحقيقي للسيدة الأولى وما هي حقيقة نفوذها؟ وماذا يبقى من ذلك كله فيها هو أبعد من أغلفة المجلاّت والنشاط في مختلف وسائل الإعلام الأخرى؟ وهل هناك دور خاص لعبته بعض السيدات الأولى من زوجات الرؤساء الأميركيين؟

إن المؤلف يشرح لقارئه مختلف الأدوار «العامة والخاصة» التي تلعبها زوجة الرئيس الأميركي التي تشغل «منصبا متعدد الوجوه»، وهو منصب «غير رسمي» و«غير محدد المهمات» و«ليس خاضعا للانتخاب». ويكشف بيير ماري لوازو كيف أن «التقاليد والحداثة» وجدت تعبيراتها لدى زوجات الرؤساء الأميركيين، وكيف أن «النفوذ» الذي يمكن أن تمارسه زوجة الرئيس، ولو كان "نفوذا حقيقيا أو افتراضيا، إنما يكشف بالتحديد عن «الغموض» الذي يلفّ الموقع الذي تشغله.

بكل الحالات يشرح المؤلف أن لقب «السيدة الأولى» بدأ استخدامه في الولايات المتحدة الأميركية. ولكن في الفترة الأولى بعد الاستقلال لم يكن هناك "لقب محدد" لزوجة الرئيس، بل ألقاب مختلفة مثل «ليدي» أو «السيدة الرئيسة». وكانت «دوللي ماديسون» هي أول زوجة رئيس يشار إليها كـ«السيدة الأولى» أثناء تأبينها كما وصفها الرئيس «زاكاري تايلور» . كان ذلك عام 1849.

لكن الأثر المكتوب الأول عن إطلاق هذا اللقب على زوجة الرئيس الأميركي كان عام 1863 حيث جرى الحديث عن ماري لنكولن بوصفها «السيدة الأولى في الأرض». واعتبارا من سنوات الثلاثين في القرن الماضي، العشرين، ساد استخدام لقب السيدة الأولى في أميركا، وانتقل "استخدام لقب السيدة الأولى في أميركا، وانتقل «استخدامه» إلى بلدان أخرى في العالم.

وتحظى السيدة ميشيل اوباما، زوجة الرئيس الحالي باراك اوباما، باهتمام خاص من قبل مؤلف هذا الكتاب. وهي «تحتل» موقع سيدة البيت الأبيض منذ 20 يناير- من عام 2009. والإشارة أنه توجد اليوم عند صدور الكتاب- 4 سيدات أميركيات سابقات على قيد الحياة هنّ روزلين كارتر، زوجة جيمي كارتر، ونانسي ريغان، أرملة رونالد ريغان، وبربارة بوش، زوجة جورج بوش الأب، وهيلاري كلنتون، زوجة بيل كلنتون، وزيرة خارجية أميركا الحالية، ولورا بوش، زوجة الرئيس السابق جورج وورلكر بوش.

يتم التأكيد أن ميشيل أوباما تتميّز عن زوجات الرؤساء الأميركيين السابقين، ليس بـ«لون بشرتها» فحسب، ولكن أيضا من حيث أنها «شخصية إعلامية بامتياز» وهي خريجة جامعة "هارفارد" الشهيرة. لكنها أكدت باستمرار أنها تريد أن تحافظ على دورها كـ«أم» وكـ«زوجة» وأنها سوف تكرّس جهودها لدفع مسار زوجها السياسي إلى الأمام.

إنها ظلت بعيدة عن سلوكية زوجات رؤساء مثل «مارتا واشنطن» و«ابيجال ادامز» اللتين جرت معاملتها كما لو كانتا من «سيدات» التاج البريطاني. بالمقابل يقترب سلوكها من «دوللي ماديسون» التي التزمت بالدفاع عن قضايا المرأة وعن اليتامي. ذلك إلى جانب حرصها على أناقتها واحتلال صورها للصفحات الأولى من المجلاّت والجرائد. وأصبحت خلال الفترة التالية نموذجا لزوجات الرؤساء اللاحقين حتى اليانور روزفلت في ثلاثينات القرن الماضي.

وكانت «السيدة الأولى» اليانور قد قامت بكثير من المهمات التي كلفها بها زوجها، الرئيس، فرانكلين د. روزفلت المصاب بالشلل. ولم تتخلّ بالوقت نفسها عن عملها كصحفية تكتب «عمودا» كل أسبوع وتساهم في إعداد برنامج إذاعي أسبوعي. وكنت جاكلين كندي، زوجة الرئيس جون كندي، هي الوحيدة التي أشرفت بنفسها على تغيير «ديكور» البيت الأبيض وعلى ترميمه.

وفي القرن العشرين أصبح من المعتاد أن تقوم «السيدة الأولى» بتعيين موظفين لدعم نشاطاتها. وكانت هيلاري كلنتون قد اختارت لنفسها دورا سياسيا عبر إصلاح النظام الصحي في الولايات المتحدة الأميركية. مثل تلك المهمة وجدت صداها في «نضال» ميشيل اوباما، ضد «بدانة الأطفال».

زوجات الرؤساء الأميركيين «السيدات الأولى» وأدوار مختلفة من «مارتا واشنطن» وحتى «ميشيل اوباما».

 

ماري لنكولن

من الملاحظ أن مؤلف هذا الكتاب يتوقف عند عدد من زوجات الرؤساء والأميركيين يعتبر أنهن لعبن دورا استثنائيا في موقع "السيدة الأولى". ومن بينهن "ماري لنكولن"، زوجة الرئيس الأميركي، ابراهام لنكولن. وكانت "السيدة الأولى" في الولايات المتحدة خلال سنوات 1861-1865 عندما كان عمرها 42 سنة.

 

المؤلف في سطور

يعمل بيير ماري لوازو، أستاذا في جامعة "انجير" الفرنسية. وهو مختص بالتاريخ الأميركي عامة، وبسيَر حياة الرؤساء الأميركيين وزوجاتهم خاصة. ومن مؤلفاته: سيرة حياة نانسي ريغان، سيرة حياة مارتن فان بورين.

الكتاب: السيدات الأولى

من التقليد

إلى الحداثة

تأليف: بيير ماري لوازو

الناشر: ايلليبس

باريس 2012

الصفحات: 192 صفحة

القطع: المتوسط

First ladies

Pierre Marie Loizeau

Ellypses- Paris - 2012

192.P